الحظائر غير الشرعية… نزيف يومي يثقل كاهل السكيكديين ويهدد أمنهم
من وسط المدينة وواجهة البحر إلى شوارع الأحياء الشعبية، تغزو الحظائر غير الشرعية كل فضاء متاح بسكيكدة. بعض هؤلاء "الحراس" لا يترددون في الاستيلاء حتى على الأرصفة المخصصة للمشاة، أو أمام مداخل الإدارات، ما يخلق ازدحاما مروريا وفوضى حضرية خانقة. الأخطر من ذلك أن بعض الأماكن المحجوزة تصنف قانونا كمناطق "ممنوع الوقوف"، لكنها تتحول إلى مصدر دخل غير شرعي دون أي اعتبار لقوانين المرور أو سلامة المواطنين.
*مشهد يومي متكرر
لا يكاد سائق يدخل مدينة سكيكدة، سواء من الشوارع الرئيسية أو الأزقة الثانوية، حتى يجد نفسه في مواجهة أشخاص يفرضون أنفسهم كـ"حراس سيارات"، مطالبين بمبالغ مالية مقابل السماح له بركن مركبته. هذه المبالغ، وإن بدت بسيطة للوهلة الأولى (50 إلى 200 دج)، إلا أنها تتحول إلى عبء ثقيل على المواطنين الذين يستخدمون سياراتهم يوميا، خاصة العاملين في وسط المدينة أو المترددين على الشواطئ والأسواق.
*سكيكدة.. مدينة بشارع واحد
تواجه سكيكدة إشكالية عمرانية خانقة، إذ تفتقر إلى شبكة طرقات داخلية بديلة، حيث لا يتجاوز منفذها الرئيسي شارع واحد يشكل المدخل والمخرج معا نحو قلب المدينة. هذا الوضع يجعل حركة المرور هشة وسريعة الاختناق عند أي ضغط إضافي. ومع انتشار الحظائر العشوائية على جانبي هذا الشارع ومحاوره الثانوية، تتضاعف المعاناة، إذ يضطر السائقون للتوقف المفاجئ أو المناورة وسط فوضى الحراس غير الشرعيين، ما يؤدي إلى تعطيل حركة النقل الحضري والعمالي، ويفاقم الاختناقات المرورية اليومية، خصوصا في ساعات الذروة. ويرى مختصون أن غياب مخطط مروري بديل، مع الفوضى التي تفرضها هذه الحظائر، يجعل من وسط سكيكدة نقطة ازدحام دائمة تشل النشاط الاقتصادي وتعرقل حياة المواطنين.
*الحظائر.. خطر يهدد حياة المرضى
الأمر لا يتوقف عند حدود الإزعاج أو الابتزاز المالي، بل يمتد إلى تهديد مباشر لحياة الناس. ففي محيط مستشفى الإخوة ساعد قرمش، وبالضبط عند المدخل والمخرج الرئيسي، تنتشر حظيرة غير شرعية خلف مقر الدائرة تجعل أصحاب السيارات يصفون مركباتهم على جانبي الطريق بشكل فوضوي، ما يعيق بشكل متكرر مرور سيارات الإسعاف ونقل المرضى. الوضع يزداد سوءا بالنظر إلى أن المنطقة تعد واحدة من أكثر النقاط الحيوية في سكيكدة، حيث تتقاطع فيها مؤسسات وخدمات هامة مثل مقر الدائرة، المجلس الولائي، مقر الولاية، قصر الثقافة، فندق السلام، بنك، وموقف حافلات بوعباز. هذه الكثافة البشرية والمؤسساتية تجعل أي انسداد في حركة المرور بمثابة شلل كامل، وقد تحول الحظائر العشوائية هذا الشلل إلى تهديد لأرواح المرضى الذين ينتظرون الوصول في الوقت المناسب إلى المستشفى.
*شكاوى متواصلة واستياء شعبي
أصحاب السيارات يصفون الوضع بـ"الإتاوة المفروضة"، حيث يجدون أنفسهم مجبرين على الدفع، وإلا تعرضوا للمضايقات أو حتى التخريب المتعمد لمركباتهم. بعض الشهادات التي رفعت للجهات المعنية أكدت أن سائقي سيارات تعرضوا لاعتداءات لفظية وجسدية بعد رفضهم دفع المستحقات غير القانونية. ورغم حملات الشكاوى التي تصل إلى مصالح الأمن والبلدية، إلا أن الظاهرة تتوسع بدل أن تتراجع.
*جرائم مرتبطة بالحظائر
خلف ستار "الحراسة"، ارتكبت عدة حوادث أثارت الرأي العام، منها مشاجرات حادة بين "الحراس" والسائقين تحولت إلى اعتداءات بالسكاكين أو العصي، والمدينة لا تزال تتذكر حادثة قتل سائق حظيرة لصاحب سيارة لرفضه دفع ثمن التوقف. كما تم تسجيل حالات سرقة من داخل السيارات التي تركت في هذه المواقف العشوائية. في بعض الأحياء، تحولت السيطرة على مواقف السيارات إلى صراعات بين مجموعات شبانية وصلت أحيانا إلى استعمال العنف من أجل "تقسيم مناطق النفوذ". هذه الحوادث تعكس حجم الانفلات المصاحب لهذه الظاهرة.
*عقوبات صارمة لكنها حبر على ورق
القانون الجزائري يمنع استغلال الملك العمومي دون ترخيص، ويصنف هذه الممارسات ضمن التعدي الذي يعاقب عليه بالحبس والغرامة. لكن على أرض الواقع، تبقى هذه النصوص حبرا على ورق ما دامت الممارسات تعود مباشرة بعد كل حملة أمنية. مع العلم أن بعض الحملات الأمنية التي شهدتها المدينة نجحت في توقيف أشخاص وحجز أدوات كانوا يستخدمونها كالعصي والسكاكين، غير أن غياب متابعة مستمرة يجعل الظاهرة تتجدد بسرعة، بل وتزداد اتساعا.
*الحاجة إلى تنظيم حضري فعلي
يرى مختصون أن غياب مواقف سيارات رسمية ومنظمة في مدينة بحجم سكيكدة، خصوصا مع توسعها العمراني وزيادة عدد المركبات، يترك فراغا تستغله مجموعات شبانية بشكل غير قانوني. الحل، حسب هؤلاء، يكمن في إنشاء مواقف حضرية مدفوعة الأجر، تدار من طرف البلدية أو مستثمرين خواص بعقود رسمية، مع توفير وسائل دفع حديثة وضمانات حقيقية للحراسة. مثل هذا التنظيم من شأنه أن يحول هذه المبالغ اليومية إلى مورد مالي رسمي يدخل خزينة البلدية بدل أن يذهب إلى جيوب أفراد.
*صوت الشارع… شهادات من الواقع
جريدة "آخر ساعة" قابلت بعض المواطنين الذين عبروا عن استيائهم. أحدهم قال: "أتنقل يوميا إلى مقر عملي وسط المدينة، وأضطر لدفع ما لا يقل عن 3000 دج شهريا لحراس السيارات. هذه ليست خدمة، بل ابتزاز واضح." أما سيدة من سكان حي ممرات 20أوت 1955 فأضافت: "أحيانا أتعرض للتهديد إذا رفضت الدفع، حتى عندما أركن أمام العمارة التي أسكن بها. أصبحنا غرباء في شوارعنا."
سائق سيارة أجرة أكد: "الخطر ليس فقط في المال، بل في المشاجرات التي قد تندلع يوميا و تصل حد الضرب، لهذا أصبح الجميع يدفع و يسكت."
*موقف السلطات المحلية
رغم الحملات المتكررة ، لا تزال السلطات عاجزة عن القضاء الكلي على هذه الظاهرة. بعض المسؤولين المحليين اعترفوا بصعوبة مراقبة كل النقاط في وقت واحد، مشيرين إلى أن الحل لا يكمن في الحملات الأمنية وحدها، بل في توفير بدائل حضرية وإشراك المجتمع المدني في التبليغ.
*الحظائر غير الشرعية.. مداخيل خارج الأطر القانونية
تشير معلومات إلى أن عدد السيارات التي تتنقل يوميا وسط مدينة سكيكدة يتجاوز 40 ألف مركبة، وهو ما يفتح شهية المستغلين غير الشرعيين للفضاءات العمومية. فإذا دفع نصف هذا العدد فقط حسب مصدر مسؤول مبالغ تتراوح بين 50 و100 دج يوميا، فإن العائدات قد تصل إلى ما بين مليوني وأربعة ملايين دينار يوميا، أي ما يعادل أكثر من مليار سنتيم شهريا، كلها أموال تحصَّل خارج الأطر القانونية ولا تدخل خزينة البلدية. وفي المقابل، تكشف بيانات مصالح الأمن أنه خلال العام الماضي فقط تم تسجيل أكثر من 200 تدخل ضد مستغلي الحظائر غير الشرعية، أسفرت عن توقيف العشرات وحجز أدوات مختلفة، لكن الظاهرة ما تزال قائمة بما لا يقل عن 150 نقطة سوداء موزعة عبر أحياء المدينة وشوارعها الحيوية. هذه الأرقام تبرز بوضوح أن الأمر لم يعد مجرد سلوك فردي، بل أصبح شبكة منظمة تسيطر على الفضاء العمومي وتحوله إلى مصدر دخل مواز. و للقضاء على هذه الظاهرة أو التقليل من حدتها، ذكر مسؤول رفض ذكر اسمه أن الأمر يتطلب جملة من الإجراءات كإنشاء مواقف حضرية رسمية برسوم رمزية وإيصالات واضحة، تكثيف الحملات الأمنية الدورية وعدم الاكتفاء بالتدخل المناسباتي، فرض عقوبات رادعة تصل إلى الحبس والغرامة مع تنفيذ الأحكام ميدانيا، تشجيع الاستثمار في مواقف متعددة الطوابق للتخفيف من الضغط في وسط المدينة، وإطلاق حملات توعية للمواطنين لرفض دفع الإتاوات غير القانونية والتبليغ عنها فورا. الحظائر غير الشرعية في مدينة سكيكدة لم تعد مجرد ظاهرة اجتماعية عابرة، بل تحولت إلى مصدر قلق أمني يثقل كاهل المواطن ويشوه صورة المدينة. القضاء عليها يتطلب رؤية شاملة تزاوج بين الردع القانوني وتوفير البدائل، لأن استمرارها يعني المزيد من الفوضى، الجرائم، و الاستغلال.
حياة بودينار
What's Your Reaction?



