"نيرون" واشنطن و"مجنون" تل أبيب: تحالف "إحراق الشرق" لإنقاذ الكرسي
بينما كانت الدبلوماسية منشغلة في أروقة جنيف ببحث خيارات التهدئة تحت رعاية عُمانية، راحت صفارات الإنذار تدوي في مياه الخليج العربي، معلنةً عن مفارقة جيوسياسية تثير الدوار، وعن بداية حلقة جديدة من حلقات الحرب القذرة التي تقودها أمريكا بذريعة حماية اسرائيل، أو يقودها الكيان الصهيوني تحت عباءة العم سام، "السوبر هيرو مخلص الضعفاء". نحن اليوم أمام مشهد مكرر من "الفوضى المنظمة" التي تتقنها واشنطن: يدٌ تمتد للمصافحة أمام فلاشات الكاميرات، وأخرى تحشد حاملات الطائرات في استعراض فجّ للقوة، لكن المشهد عبثي لدرجة أنه يذكرنا بجنون "نيرون" وهو يراقب روما تحترق؛ حيث يتحرك الثنائي "ترامب-نتنياهو" بعقلية المقامر الذي خسر كل شيء، ولم يبقَ أمامه سوى قلب الطاولة وإحراق النادي بمن فيه، فهاهما يدفعان بمنطقة "الهلال الخصيب" نحو الهاوية لا لحماية الأمن القومي الأمريكي، ولا للحفاظ على الوجود الصهيوني، بل هي "الغريزة البدائية" للبقاء السياسي، فهما في الأخير رجلان يطاردهما شبح السجن والمساءلة؛ أحدهما في واشنطن يرى في الحرب وسيلة لفرض "حالة طوارئ" دائمة تُخرس خصومه، والآخر في تل أبيب يقتات على دماء الأطفال في غزة ويحتاج لفتح جبهة أوسع ليواري سوأة فشله الاستراتيجي، ليصبح التحالف هذه المرة ليس سياسياً، بل "تحالفا انتحاريا" يرى في ألسنة اللهب طوق نجاة وحيد. هذا الجنون يتجاهل حقيقة جيوسياسية مرعبة: إن إشعال النار في إيران يعني بالضرورة تفجير "خزان الوقود" العالمي. لأن مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، بل هو شريان للاقتصاد الدولي والذي يضخ قرابة 21 مليون برميل نفط يومياً، أي ثلث محروقات ما يحتاجه العالم يوميا. وأي "حماقة" عسكرية تجاه طهران ستحول هذا المضيق إلى مقبرة لناقلات النفط، مما سيؤدي إلى قفزة جنونية في الأسعار قد تتجاوز 200 دولار للبرميل. حينها، لن يجد المواطن في نيويورك أو باريس أو لندن ما يسد به رمق احتياجاته، وسيدرك العالم أن "جنون العظمة" لدى شخصين قد ألقت بالكوكب كله في حفرة ركود اقتصادي لم يشهد له التاريخ مثيلاً منذ قرن. ويخطئ "جنرالات الورق" في واشنطن إذا اعتقدوا أن إيران هي نسخة كربونية من عراق 2003 الذي كان منهكاً بعشر سنوات من الحصار الخانق. إننا نتحدث عن دولة تمتد على مساحة 1.65 مليون كيلومتر مربع، وتتحصن بتضاريس جبلية وعرة وكتلة بشرية تناهز 90 مليون نسمة. إن أي محاولة لفرض واقع عسكري بالقوة ستتحول إلى "حرب استنزاف" لا نهاية لها. وإذا كان غزو العراق قد كلف واشنطن ترليونات الدولارات وآلاف القتلى مع حشد نحو ربع مليون جندي في الميدان، فإن الحرب على إيران ستكون الثقب الأسود الذي يبتلع ما تبقى من هيبة "الإمبراطورية الأمريكية".، الحلقة الأفشل بعد الفيتنام، أفغانستان والعراق. سخرية "الأخلاق" الملوثة بالدماء أما المأساة الكبرى، فهي تبجح نتنياهو بـ"تحرير الشعب الإيراني". إن الرجل الذي يواجه مذكرات توقيف من المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب "جرائم ضد الإنسانية" و"إبادة جماعية" في غزة، لا يملك الحق الأخلاقي في نطق كلمة "حرية". إن من استباح دماء الرضع وهدم المستشفيات والمدارس على رؤوس ساكنيها، لا يسعى لنشر الديمقراطية، بل يسعى لنشر المقابر الجماعية تحت مسميات "الشرق الأوسط الجديد". إن المنطقة اليوم ليست بحاجة إلى 'منقذين' يرتدون ملابس القتلة، بل هي بحاجة إلى 'صوت عقل' يوقف هذه الهرولة الجماعية نحو الهاوية." لطالما علمنا أن "نهاية الغطرسة هي السقوط المدوي"، لكن الشعوب العربية والإسلامية، بل والعالم بأسره، مطالبون بالوقوف في وجه هذا "الجنون المنظم". إن النار إذا اشتعلت في طهران، فلن تتوقف عند حدود الجغرافيا؛ بل ستحرق مكاتب من أشعلوها في واشنطن وتل أبيب. لقد آن الأوان ليكبل العالم يدي "المجانين"، لأن شعوب المنطقة تملك الحق في الحياة والتنمية والسيادة، وليست مجرد أحجار شطرنج في حسابات "مقامرَيْن" ضاقت بهما سبل السياسة فلجأوا إلى قرع طبول الحرب.
فؤاد سبتي
What's Your Reaction?
Like
0
Dislike
0
Love
1
Funny
0
Angry
0
Sad
0
Wow
0


