احتلال الأرصفة بمدينة قالمة يُلغي حق الراجلين في التنقل الآمن ويطرح تساؤلات حول صرامة الرقابة

Aug 17, 2026 - 22:31
 0  3
احتلال الأرصفة بمدينة قالمة يُلغي حق الراجلين في التنقل الآمن ويطرح تساؤلات حول صرامة الرقابة

تُــعَــدُّ الأرصفة جزءاً أساسياً ومحورياً من البنية التحتية للحياة الحضرية داخل المدن، حيث وُجدت بالدرجة الأولى لتأمين حركة تنقل الساكنة والراجلين في ظروف آمنة ومحمية، بعيداً عن أخطار الطريق وكثافة حركة المركبات. غير أن الواقع الميداني المعيش لعدد من الشوارع الرئيسية والأحياء التجارية الكبرى بولاية قالمة ينبئ بظاهرة سلبيّة باتت تفرض نفسها بقوة على المشهد اليومي؛ والمتمثلة في الاستحواذ العشوائي واحتلال المساحات المخصصة للمشاة من طرف بعض التجار وأصحاب الأنشطة التجارية المختلفة، والذين يعمدون إلى تحويل الرصيف العمومي إلى امتداد قانوني ومادي لمحلاتهم أو فضاءات مكشوفة لعرض السلع والمعدات البضائعية. وأظهرت الجولات الميدانية الاستطلاعية عبر العديد من المحاور التجارية بعاصمة الولاية قالمة تفاقماً ملحوظاً لمظاهر استغلال الأرصفة، بداية من وضع الطاولات والثلاجات الكبيرة وعرض البضائع، وصولاً إلى تثبيت التجهيزات أمام واجهات المحلات، وهو ما تسبب في تضييق الخناق على الممر الآمن للمشاة أو غلقه وتشميعه بالكامل في مواقف متعددة. وأمام هذه الوضعية الحرجة، يجد المواطن القالمي نفسه مرغماً على النزول إلى قارعة الطريق والسير بمحاذاة السيارات والوسائل الناقلة، مما يحول أبسط رحلة ترجل داخل الحي أو الشارع إلى مصدر خطر دائم ومحدق، لا سيما في النقاط والشوارع ذات الكثافة المرورية المرتفعة. وتزداد حدة المخاطر بشكل مضاعف لدى الفئات الهشة كالأطفال الصغار، كبار السن، والأشخاص ذوي الإعاقة الحركية الذين يستلزم تنقلهم توفير بيئة حضرية مجهزة ومسطحة تخلو من العوائق المادية وتضمن سلامتهم البدنية. وإذ لا يمكن بأي حال من الأحوال إنكار حق التاجر في ممارسة نشاطه المالي والتجاري وتحسين ظروف عمله لتنشيط الدورة الاقتصادية للمدينة، إلا أن هذا الحق يبقى مقيداً ومشروطاً بالامتثال الكامل للأطر القانونية والتنظيمية وعدم التعدي على حقوق الملكية العامة والمواطنة. فالرصيف يظل ملكية عمومية مشاعة لا تتبع أحداً، ولا يمكن اعتباره مساحة إضافية تابعة للمحل التجاري إلا في حالات استثنائية محددة وبناءً على تراخيص رسمية مسبقة تحدد المسافات والشروط الدقيقة. ومن هذا المنطلق، فإن الصيغة المطلوبة لا تهدف إطلاقاً إلى التضييق على الحركة التجارية أو حرمان أصحاب المحلات، بل إلى إيجاد آليات تنظيمية صارمة تكفل ممارسة الأنشطة التجارية بالتوازي مع صون حق الراجلين في ممرات آمنة ومستمرة. من جهتهم، يؤكد عدد من مواطني وسكان ولاية قالمة أن معالجة ظاهرة احتلال الأرصفة والحد من توسعها لا ينبغي أن تنحصر في حملات موسمية أو تدخلات ظرفية ومحتشمة، بل تتطلب متابعة ميدانية مستمرة ودورية مع تطبيق أحكام القانون والقرارات الولائية المتعلقة بالنظافة والتنظيم على الجميع دون استثناء. كما تستدعي الوضعية تنسيقاً محكماً بين المصالح الإدارية والبلدية والأمنية لتحديد النقاط السوداء، معاينة التجاوزات، توجيه الإعذارات، واتخاذ التدابير العقابية الزجرية ضد المخالفين والمصرين على تجاوز مساحاتهم المحددة قانوناً. وفي المقابل، يمكن طرح حلول تنظيمية تضمن إعادة تهيئة الفضاءات التجارية الكبرى واستحداث رواق آمن للمشاة يراعي خصوصية النشاط الميداني. إن قضية احتلال الأرصفة تتجاوز في جوهرها المظهر الجمالي أو العمراني للمدينة لتلامس مباشرة ملف السلامة المرورية وصحة المواطنين وإتاحة الوصول الآمن للجميع دون تعريض أنفسهم لخطر الدهس أو الحوادث. وأمام استمرار هذه الظاهرة الميدانية، يطرح الشارع القالمي تساءلات جوهرية حول الجهة المسؤولة عن مراقبة شروط استغلال الملك العمومي، ومدى نجاعة وآليات المتابعة المستمرة للتجاوزات المسجلة، ومتى تتحول عمليات الرقابة والتفتيش من مجرد إجراءات ظرفية إلى سياسة ميدانية دائمة تعيد للرصيف هيبته ووظيفته الأصلية كممر آمن ومفتوح للجميع.

ل.عزالدين

What's Your Reaction?

Like Like 0
Dislike Dislike 0
Love Love 0
Funny Funny 0
Angry Angry 0
Sad Sad 0
Wow Wow 0