باتنة: حين تتحول الرسكلة إلى بوابة للجريمة ... من يشتري الكوابل المسروقة؟
تشهد ولاية باتنة في السنوات الأخيرة، على غرار عدة ولايات الوطن، تصاعدا بات مقلقا لظاهرة سرقة الكوابل الكهربائية وأغطية البالوعات وإشارات المرور، في مشهد بات يهدد سلامة المواطنين ويكبد المؤسسات العمومية، وعلى رأسها شركة سونلغاز، خسائر مالية وتقنية فادحة. ولم تعد هذه الجرائم مجرد حوادث معزولة أو أعمال تخريب محدودة، بل تحولت مؤخرا إلى نشاط منظم تتهم فيه شبكات متخصصة يسترزق أفرادها من بيع النحاس والمعادن الموجودة داخل الكوابل الكهربائية وكوابل الاتصالات، مستغلين الانتشار الواسع لنشاط الرسكلة وإعادة التدوير، وكذا ضعف الرقابة على تجارة الخردوات والمعادن المستعملة. وتطرح هذه الظاهرة أسئلة عميقة حول المسؤولية القانونية والأمنية، وحول الدور الذي يلعبه بعض تجار الخردة الذين يقومون بشراء تلك المسروقات دون التحقق من مصدرها، الأمر الذي يشجع عصابات السرقة على التمادي في نشاطها الإجرامي، في وقت تتعالى فيه أصوات المواطنين للمطالبة بتطبيق أقصى العقوبات ضد كل من يثبت تورطه، سواء في السرقة أو الشراء أو حتى التستر على هذه الأفعال الاجرامية.
سونلغاز تدق ناقوس الخطر جراء الخسائر الضخمة المكبدة
لا تكاد تمر أسابيع دون تسجيل انقطاعات في التيار الكهربائي أو اضطرابات في شبكة التوزيع بسبب تعرض الكوابل للسرقة أو التخريب. وتؤكد تقارير محلية أن فرق الصيانة التابعة لسونلغاز تتسلّم يوميا بلاغات تتعلق بقطع كوابل أرضية أو توصيلات كهربائية، وكذا مولدات الطاقة، خاصة بالمناطق الصناعية، والأحياء الجديدة والمناطق المعزولة، حيث تستغل العصابات ساعات الليل لتنفيذ عملياتها. هذا ناهيك عن حجم الاضرار والخسائر المعتبرة التي تتكبدها الشركة، والتي بلغت خلال الأربع أشهر الأولى من السنة الجارية 63 عملية تخريب وسرقة بولاية باتنة مست مختلف تجهيزات الشبكة الكهربائية، من بينها سرقة وإتلاف نحو 24.99 كلم من الكوابل الكهربائية ذات التوتر المتوسط والمنخفض، إضافة إلى تخريب 08 محولات كهربائية وسرقة معدات خاصة بالحماية الكهربائية في أربع حالات مختلفة، متسببة في خسائر مادية تجاوزت 19 مليون دج، بالإضافة إلى تسجيل 75 حالة تعد على منشآت الغاز بمختلف أنواعها، وسرقة الأعمدة الصاعدة الخاصة بالغاز عبر مختلف مقاطعات الولاية، كما تم تسجيل 22 حالة سرقة استهدفت النحاس الخاص بالتوصيلات والأعمدة الصاعدة، الأمر الذي أدى إلى قطع التموين بالغاز عن أكثر من 141 زبونا. وتجبر هذه الاعتداءات المؤسسة على تخصيص ميزانيات إضافية لإعادة الترميم وتعويض التجهيزات المسروقة، فضلا عن تكاليف التدخلات التقنية المستعجلة، والانقطاعات التي تؤثر على المواطنين والمؤسسات الاقتصادية على حد سواء. كما أن سرقة الكوابل لا تعني فقط أمتار من النحاس، بل تؤدي في كثير من الأحيان إلى إتلاف المحولات الكهربائية وتعطيل شبكات كاملة، وهو ما يضاعف من حجم الخسائر، إذ تجد هذه العصابات ضالتها في الكوابل الكهربائية على وجه التحديد ذلك أنها تحتوي على كميات معتبرة من النحاس، وهو معدن مرتفع الثمن في سوق الخردة، ما يجعل هذه الشبكات هدفا مغريا للعصابات الإجرامية.
الرسكلة نشاط قانوني تحوّل إلى واجهة للفوضى
في الوقت الذي فتحت فيه الدولة الرسكلة كنشاط قانوني، رغبة في اسهامه في الاقتصاد الوطني من جهة وخلق مناصب شغل وكذا ما له من أهمية فيما تعلق بالجانب البيئي، باعتبار أن الرسكلة وإعادة التدوير تعد من الأنشطة الاقتصادية المهمة التي تساهم في حماية البيئة وتقليل النفايات الصناعية والمنزلية، غير أن غياب الرقابة الصارمة على بعض نقاط جمع الخردة فتح المجال لتحول النشاط إلى ملاذ لتصريف المسروقات والعمليات التخريبية. فبعض المشترين، حسب متابعين للشأن المحلي، لا يهتمون بمصدر النحاس أو الحديد أو البلاستيك وغيرها من المواد القابلة لاعادة التدوير ويتم بيعها، بل ينصب تركيزهم على الوزن والسعر فقط. وهو ما يجعل السوق السوداء للخردة بيئة مثالية لازدهار هذه الجرائم، حيث يجد السارق منفذا سريعا لتصريف المسروقات مقابل مبالغ مالية مغرية، خصوصا وأن بعض الورشات تستقبل بشكل يومي كميات من المعادن المقطعة والكوابل المحروقة دون تقديم أي وثائق تثبت مصدرها القانوني، في غياب مراقبة ميدانية منتظمة. في وقت تعالت فيه أصوات تطالب بضرورة إخضاع نشاط شراء المعادن المستعملة إلى دفاتر شروط صارمة، مع فرض سجل إلكتروني يدوّن فيه مصدر كل سلعة وبيانات البائع لغرض وضع حد لهذه العصابات التي في الغالب لا يتم التعرف على افرادها وتبقى تلك الاعتداءات ضد مجهولين. ففي الوقت الذي يقوم فيه مشترون من أصحاب مؤسسات إعادة التدوير او الباعة المتجولون عبر مختلف مناطق الولاية مستغلين في ذلك شاحنات صغيرة لجمع هذه المواد والمعادن، واقتنائها فان ذلك يشجع العصابات على الاستمرار في نشاطها إذا وجدت من يشتري منها المسروقات بسرعة وبأسعار محفزة.
عصابات منظمة تستهدف كل ما يحتوي على معدن
المثير للقلق أن الظاهرة لم تعد مقتصرة على الكوابل الكهربائية فقط، بل امتدت لتشمل كل التجهيزات المعدنية الموجودة في الفضاءات العمومية وحتى الخاصة. فقد سجلت عدة بلديات عبر ولاية باتنة، سرقة أغطية البالوعات الخاصة بالصرف الصحي، ما تسبب في حوادث خطيرة للمواطنين ومستعملي الطرقات، خاصة خلال الفترة الليلية. كما طالت الاعتداءات إشارات المرور والأعمدة المعدنية وحتى الحواجز الواقية على جوانب الطرقات، في مشاهد تعكس حجم الفوضى التي باتت تهدد السلامة العامة. وفي بعض المناطق، وجد مواطنون أنفسهم أمام بالوعات مفتوحة بسبب سرقة أغطيتها المعدنية، ما عرض الأطفال والسائقين لخطر السقوط والحوادث المختلفة، هذا الى جانب ما تتسبب فيه الظاهرة من انسداد للبالوعات بسبب تراكم الاوساخ ويجعل الشوارع تغرق في الاوحال والبرك المائية عند تساقط الأمطار. لتتجاوز بذلك هذه الجرائم البعد المادي وتصبح اعتداء مباشرا على الممتلكات العمومية وحق المواطن في الأمن والسلامة. كما أن تكلفة تعويض هذه التجهيزات تستهلك أموالا ضخمة من خزينة الدولة والبلديات، في وقت تحتاج فيه هذه الموارد إلى مشاريع تنموية وخدمات أساسية ضمانا لعيش كريم للمواطن.
حوادث مميتة في عمليات سرقة محفوفة بالمخاطر
ورغم المخاطر الكبيرة التي تحيط بسرقة الكوابل الكهربائية، إلا أن الطمع في النحاس يدفع بعض الشباب إلى المغامرة بحياتهم مقابل مبالغ مالية محدودة. وقد شهدت ولاية باتنة خلال السنوات الماضية عدة حوادث أليمة ناتجة عن محاولة سرقة كوابل كهربائية ذات الضغط العالي. وهو ما تشير إليه تلك التدخلات لمصالح الحماية المدنية وكذا مصالح الدرك الوطني، في أكثر من مرة لإنقاذ أشخاص تعرضوا لصعقات كهربائية خطيرة أثناء قطع الكوابل، بينما توفي آخرون في عين المكان بعدما لامسوا خطوطا كهربائية ذات توتر مرتفع. كما سجلت حالات بتر أطراف وتشوهات مستديمة لضحايا ظنوا أن بإمكانهم تنفيذ عمليات السرقة دون إدراك حجم الخطر، رغم التحذيرات المتكررة لمختصين في الكهرباء حول التعامل مع الشبكات الكهربائية وما يتطلبه الأمر من خبرة تقنية وتجهيزات خاصة، ذلك أن بعض الخطوط تحمل توترا قاتلا يمكن أن ينهي حياة الإنسان في ثوان معدودة. ومع ذلك، تستمر هذه الممارسات بسبب الربح السريع الذي يغري المنحرفين والعاطلين عن العمل وحتى بعض ذوي السوابق القضائية. كما أن بعض عصابات السرقة تعمل ضمن مجموعات منظمة، حيث يتولى أفراد منها المراقبة فيما يتكفل آخرون بقطع الكوابل ونقلها بسرعة إلى ورشات أو نقاط تجميع الخردة، لتجنب الملاحقة الأمنية، وهو حال بلدية مروانة التابعة لولاية باتنة، التي شهدت في الأشهر الأخيرة عديد عمليات السرقة والتخريب للشبكة الكهربائية بها، دون التمكن من الإطاحة بأفراد هذه العصابات.
جريمة منظمة غذتها ذريعة الظروف الاجتماعية وسط مطالب بتشديد الرقابة والعقوبات
لطالما اقترنت بعض المهن والظواهر في المجتمع بذريعة الظروف الاجتماعية، من بطالة وفقر، اللذان يدفعان بعض الشباب إلى الانحراف نحو هذه الأنشطة غير القانونية، غير أن هناك من يرفض تبرير السرقة بالظروف الاجتماعية، خاصة حين يتعلق الأمر بتخريب منشآت حيوية وتعريض حياة المواطنين للخطر. فبين جمع الخردة بشكل قانوني من النفايات والمستعملات المهملة، وبين سرقة تجهيزات عمومية عمدا بغرض بيعها يحدث الفارق. فالنشاط الأول يندرج ضمن الاقتصاد الموازي القابل للتنظيم، بينما الثاني يمثل جريمة مكتملة الأركان تمس الاقتصاد والأمن العام، وهو ما جعل مختصين في المجال يحذرون من تحول هذه الظاهرة إلى "اقتصاد إجرامي" قائم بذاته، خاصة مع ارتفاع أسعار النحاس والمعادن في الأسواق العالمية، ما يجعلها أكثر جاذبية لشبكات السرقة. وأمام تفاقم الظاهرة، تتعالى الأصوات المطالبة بتشديد العقوبات على كل المتورطين، وعدم الاكتفاء بتوقيف المنفذين فحسب، بل ملاحقة المشترين وأصحاب ورشات الرسكلة الذين يشترون المعادن المشبوهة دون التحقق من مصدرها. ولم يعد القضاء على هذه الظاهرة مقترنا بالحل الأمني فقط، بل أيضا من خلال تنظيم قطاع الرسكلة وإخضاعه لرقابة صارمة، تشمل منح تراخيص قانونية للممارسين الحقيقيين، وإغلاق الورشات العشوائية، وإلزام التجار بالفواتير وغيرها من الوثائق. كما يقترح متابعون اعتماد وسائل تقنية لحماية الشبكات الكهربائية، على غرار تركيب أنظمة إنذار وكاميرات مراقبة في المواقع الحساسة، واستعمال كوابل بمواد أقل جاذبية للسرقة، إلى جانب تعزيز الدوريات الأمنية بالمناطق الصناعية والمعزولة. في وقت يشدد فيه قانونيون على ضرورة تكييف جرائم سرقة الكوابل الكهربائية ضمن الجرائم الماسة بالأمن الاقتصادي والمرافق العمومية، لما تسببه من خسائر ضخمة واضطرابات تمس المواطنين والمؤسسات.
المواطن المتضرر الأكبر ومسؤولية جماعية لمواجهة الظاهرة
ورغم أن الخسائر المادية التي تتكبدها المؤسسات العمومية تبدو ضخمة، إلا أن المواطن يبقى المتضرر الأكبر من هذه الجرائم. فانقطاع الكهرباء المتكرر يعطل الحياة اليومية، ويؤثر على المحلات التجارية ومختلف المؤسسات على غرار المستشفيات، الى جانب تلك الأضرار التي تلحق بالأجهزة الكهربائية المنزلية. كما أن سرقة أغطية البالوعات وإشارات المرور تحشر المواطنين في مواجهة مباشرة مع الخطر، سواء عبر حوادث المرور أو السقوط في قنوات الصرف الصحي المكشوفة. لتبقى بذلك مكافحة ظاهرة سرقة الكوابل والتجهيزات العمومية مرهونة بمقاربة شاملة تشارك فيها مختلف القطاعات. فإلى جانب دور الأجهزة الأمنية والقضاء، تبرز مسؤولية البلديات، ومؤسسات الطاقة، وقطاع التجارة، والمجتمع المدني، وحتى المواطن البسيط من خلال ثقافة التبليغ عن أي نشاط مشبوه، إلى جانب حملات التوعية لتحسيس الشباب بخطورة هذه الممارسات، القاتلة المرتبطة بالتعامل مع الشبكات الكهربائية. وفي انتظار وضع حد لهذه الظاهرة، تبقى الكوابل الكهربائية، وأغطية البالوعات، وإشارات المرور عرضة للاستهداف من طرف عصابات لا ترى في الممتلكات العمومية سوى مصدر للربح السريع، ولو كان الثمن أرواحا بشرية وخسائر بالمليارات. وبين السارق والمشتري والمتستر، يبقى السؤال مطروحا من يوقف نزيف النحاس الذي يستنزف المال العام ويهدد أمن المجتمع؟
شوشان ح
What's Your Reaction?



