في حضرة إرادة سياسية لصون الذاكرة الثقافية الجزائرية : توظيف الذكاء الاصطناعي في التراث... حماية للهوية الوطنية ومسايرة للتكنولوجيا الراهنة

May 21, 2025 - 10:55
Jun 21, 2025 - 10:57
 0  1187
في حضرة إرادة سياسية لصون الذاكرة الثقافية الجزائرية :  توظيف الذكاء الاصطناعي في التراث... حماية للهوية الوطنية ومسايرة للتكنولوجيا الراهنة

يشهد العالم اليوم ثورة رقمية حقيقية، تم توظيفها في مختلف المجالات وباتت أكثر من ضرورة مواكبة للراهن من تكنولوجيا فرضت نفسها بشكل واضح وبات لا غنى عنها، وفي ظل هذا فإن الجزائر على غرار دول العالم تسعى إلى مسايرة تلك الطفرة التكنولوجية المتطورة ودمجها بمؤسساتها المختلفة على غرار دمج الذكاء الاصطناعي في قطاع الثقافة والفنون ومن ذلك مجال التراث الثقافي الجزائري الذي يعد من الركائز الأساسية للهوية الوطنية، الذي يعكس غنى وتنوع الحضارات التي تعاقبت على البلاد. في ظل التحديات التي تهدد هذا التراث، من إهمال، كوارث الطبيعية، أو النهب وحتى اعتداءات تطاله، لتبرز بذلك الرقمنة كآلية حديثة تسعى إلى الحفظ الدائم والحماية القانونية والثقافية له ونقله للأجيال القادمة بطرق مبتكرة.

هياكل متخصصة ومبادرات رسمية جادة سعيا لحماية التراث

لم تعد المبادرات العلمية في مجال التكنولوجيا وخصوصا فيما تعلق بالرقمنة تقتصر فقط على المجالات العلمية والالكترونية أو على قطاعات دون أخرى، وبات الذكاء الاصطناعي يكتسح جميع المجالات دون استثناء ومن ذلك قطاع الثقافة والفنون، الذي سعى إلى مواكبة ما تفرضه التكنولوجيا من خلال جملة المبادرات والتظاهرات التي يتم تنظيمها بهذا الخصوص بالتنسيق مع مختلف الفاعلين في المجال، ومن ذلك تنظيم المدرسة الوطنية العليا للذكاء الاصطناعي لملتقى دولي بعنوان "التراث الثقافي في عصر الذكاء الاصطناعي"، في إطار ما توليه الدولة الجزائرية من أهمية بالغة لحماية التراث الثقافي، وما نصّت عليه المادة 76 من الدستور، كواحدة من المبادرات التي جعلت من قطاع الثقافة يندمج بفعالية ضمن الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي، عبر إدراج أزيد من 10 مشاريع محورية ضمن المخطط الوطني للرقمنة. وهي المشاريع التي شملت دعم البحث العلمي، تشجيع المؤسسات الناشئة، وإشراك الجامعات وفواعل المجتمع المدني.

في مقابل ذلك تم عرض مشاريع بحثية وتجارب ابتكارية تبرز الإمكانات الهائلة للذكاء الاصطناعي في صون التراث الثقافي للأمة، على غرار الترميم الافتراضي للمواقع الأثرية والتاريخية التي تزخر بها الجزائر على شساعة مساحتها، والكشف عن التزوير الفني، والمنصة الرقمية الذكية لحفظ التراث المعماري والعودة إليه كمرجع يحفظ لتلك المنشآت خصوصيتها، إذا ما تحدثنا عن التراث المادي.

التزام الدولة بجعل التراث الثقافي دعامة للتنمية المستدامة جعل الوزارة الوصية تواكب الدور الهام للذكاء الاصطناعي في توثيق وترميم ومتابعة حفظ المواقع التراثية. ولعل أبرز المبادرات الرسمية، الشروع في عملية التوثيق الرقمي للموقع الأثري الروماني تيمقاد بولاية باتنة من بين عديد المواقع عبر الوطن، المصنف ضمن التراث العالمي لليونسكو لأهميته التاريخية والثقافية، على يد بعثة من خبراء مركز التراث العالمي وخبراء جزائريين بهدف حماية التراث الوطني وتثمينه، سيما ما تعلق بالمواقع ذات الأهمية التي يعد موقع المدينة الأثرية تيمقاد واحدا منها، لأجل اعداد نسخ رقمية ثلاثية الأبعاد دقيقة لموقع تيمقاد باستخدام أحدث التقنيات، وهي العملية التي ستساهم في الحفاظ على تفاصيل الموقع في شكل رقمي يمكن استغلاله في أي وقت كان، ما يتيح متابعة حالة حفظه وحمايته وتثمينه والترويج له، وكذا الترويج الإيجابي للتراث الثقافي الجزائري في خطوة لتعزيز حماية التراث العالمي الجزائري، وذلك في إطار المشروع الذي أطلقه مركز التراث العالمي لمنظمة اليونسكو تحت عنوان "الغوص في التراث الثقافي" والذي يهدف الى التوثيق الرقمي للمواقع الأثرية ذات الأهمية العالمية في مختلف مناطق العالم.

وكان قبل ذلك فريق علمي متخصص متكون من دكاترة جامعيين وطلبة دكتوراه تحت اشراف البروفيسور زغلاش حمزة من جامعة فرحات عباس قسم الهندسة المعمارية سطيف 01، ممثلا في مخبر البحث للهندسة المعمارية المتوسطية بالشراكة مع جامعة باتنة 01 قسم الآثار والديوان الوطني لتسيير واستغلال الممتلكات الثقافية المحمية، في عملية رقمنة التراث وخلق قاعدة بيانات يتم الاستناد إليها متى دعت الحاجة الى ذلك من خلال الاستعانة بوسائل وتجهيزات علمية حديثة جد متطورة وتقنيات عالية الدقة والجودة، لأجل إعداد مجسمات ثلاثية الابعاد للمواقع الاثرية بكل من تازولت وتيمقاد بباتنة من خلال الرقمنة بالليزر والسكانير وايضا رقمنة الفوطوغراميتريك بانوراما بالاستعانة بآلة تصوير، لتكون هذه الاخيرة حسب البروفيسور زغلاش متوفرة على ملف الانترنت مسايرة للتكنولوجيا الحديثة ضمن ما يعرف بالرقمنة الاحترازية للمواقع التاريخية التي هي مهددة بالخطر والاندثار، ويضيف أن التقنية هذه تسمح بالحفاظ على هذه المواقع من الاندثار لانها تعكس الذاكرة الجماعية والحضارية للشعب الجزائري.

وكشف ذات المتحدث أن التقنية هذه تسمح بأرشفة المواقع الأثرية في صورتها الحالية والاستناد إليها في مختلف الأوقات للاستفادة منها، سواء للاطلاع عليها عبر شبكة الانترنت من خلال الزيارة الافتراضية دون التنقل الى الموقع من جهة او الاستعانة بها كنسخة أصلية في عمليات الترميم للآثار في حال تعرض المواقع لمختلف عمليات التخريب او الانهيار التي قد تطالها بفعل العوامل الطبيعية او البشرية، بالإضافة الى التعريف بالموقع من خلال اعادة تشكيل مجسم ثلاثي الأبعاد لشكله الأصلي قبل عمليات التخريب التي تعرض لها على مر السنين للاحتفاظ بنسخة للأجيال القادمة خصوصا وان هذه المواقع عرضة لمختلف الكوارث الطبيعية والبشرية.

واعتبر الأستاذ في علم الآثار تخصص صيانة وترميم بجامعة باتنة 01 "باشي زين الدين" رقمنة التراث الثقافي الاثري الجزائري خاصة موقع تيمقاد ولومبيز من خلال خلق أرشيف رقمي للتراث الثقافي الذي يساعد كثيرا في حفظ هذه المخلفات الاثرية الموجودة في المواقع الاثرية التي هي في كل لحظة مهددة بالخطر، مضيفا في ذات السياق أن العملية هذه يقوم بها فريق متخصص في الجيوماتيك أو رقمنة التراث الثقافي باستخدام التقنيات الحديثة، حيث توفر التجهيزات المستعملة الكثير من المعلومات خاصة ما يعرف بالمقاسات الاثرية التي كانت تؤخذ في العملية التقليدية يدويا وما يتطلبه الأمر من جهد ووقت.

ابداعات رقمية شبانية هادفة تبرز الوعي بأهمية التراث والحفاظ على استمراريته

مشاريع واعدة، تلك التي بادر إلى انشائها شباب مولع بالتكنولوجيا ومهتم بالموروث والثقافة، تم من خلالها الدمج بين التراث والفنون الرقمية، التي تهدف في مجملها إلى التعريف بالتراث الثقافي على تنوعه سواء المادي منه من مباني ومنشآت أو غير المادي من أمثال وحكايات شعبية وأغاني تراثية وأساطير لطالما تناقلتها الألسن تؤسس لثقافة شعبية قد تشترك أو تختلف من منطقة إلى أخرى في خصوصيتها وتفاصيلها. لتأتي مثل هذه المبادرات الرقمية في عملية تحويل الموروث الثقافي إلى صيغة رقمية، تمكن فئة كبيرة من مختلف شرائح المجتمع المستهدفة الى الاطلاع عليها وتوجيهها نحو التعرف عليها وترسيخ تلك الأهمية التي تكتسيها كركيزة للهوية الوطنية، من خلال استخدام وسائل وتقنيات تختلف حسب خصوصية نوع التراث وأصنافه المراد تناولها، على غرار استعمال المسح الضوئي، التصوير ثلاثي الأبعاد، والنمذجة الرقمية فيما تعلق بالتراث المادي، وذلك بهدف التوثيق الدقيق للمواقع الثابتة والقطع الأثرية المنقولة، إلى جانب إنشاء قواعد بيانات مفتوحة للبحث والتدقيق العلمي وضمان استمرارية التراث في حال تعرضه للفقد أو التلف من جراء مختلف العوامل سواء الطبيعية من زلازل وغيرها أو التي قد يكون للإنسان يد فيها بسبب التخريب.

وفي ظل ذلك يسعى شباب إلى اقحام التكنولوجيا في حماية التراث والترويج له باعتباره أحد أبرز مقومات السياحة، ومن ذلك على سبيل المثال ذلك التطبيق الإلكتروني الذي تم اطلاقه، والذي يسمح للسائح او الزائر بالمدينة الأثرية الرومانية تيمقاد بولاية باتنة أن يجوب الموقع ويعمل عمل المرشد السياحي له، دون الحاجة الى مرشد سياحي قد يدله على مختلف مكونات المدينة الاثرية الرومانية الواسعة. وأطلق اسم "أطلس قو الجزائر" على التطبيق الذي يعمل من خلال تحميله من طرف زوار الموقع الاثري لتيمقاد بعد اقتناء تذكرة بها رقم سري يسمح بعد تحميله على الهاتف النقال بتلقي شروحات وافية عن محتويات الموقع ومكوناته، بما في ذلك اللوحات المتواجدة بالمتحف الذي يقع بمدخل المدينة ويحوي فسيفساء نادرة وقطع اثرية فريدة من نوعها. وهو التطبيق الذي تم اطلاقه للمرة الاولى في الجزائر وبادر الى برمجته المهندس الشاب بن زينة فاروق رفقة مجموعة من شباب مدينة تيمقاد، لغرض اطلاع الزوار ووافدي الموقع عن مختلف محتوياته شرحا مفصلا ووافيا بمختلف اللغات على غرار العربية، الفرنسية والانجليزية وغيرها، حيث يتلقى محمل التطبيق داخل الموقع تسجيلات صوتية باللغتين العربية والانجليزية وفق مخطط الجولة الاثرية الذي يحتوي على 24 محطة تبدأ من المدخل بتقديم عام للموقع واهميته التاريخية والاثرية مرورا بكل بقايا البنايات التي كانت خلال الحقبة الرومانية تشكل مدينة قائمة بذاتها تحتوي مختلف المرافق العمومية، على غرار المكتبة العمومية، الحمامات المسرح، المعبد، الكابيتول وقوس تراجان وهي المواقع التي لا تزال صامدة تحكي تاريخا غابرا لحضارة مرت من هنا وباتت قبلة للزوار والسواح المحليين منهم والأجانب.

آفاق واعدة وتحديات تفرضها إرادة سياسية واضحة

مواكبة الذكاء الاصطناعي في عملية حفظ وحماية التراث الوطني أضحى واضحا وفق سياسة الدولة الجزائرية في مجال الذكاء الاصطناعي لمسايرة الثورة الرقمية العالمية. وبات دمج الذكاء الاصطناعي في مجال التراث الثقافي الجزائري يمثل خطوة هامة نحو الحفاظ وصون الهوية الوطنية، في وقت لا تزال الجزائر تواجه عدة تحديات في هذا المجال، على غرار نقص الموارد المالية والبشرية المتخصصة، إلى جانب غياب التنسيق المؤسساتي بين مختلف القطاعات المعنية، كما أن رقمنة التراث المادي في الجزائر تعد رؤية حضارية تتطلب إرادة سياسية واستثمارات استراتيجية، إلى جانب إدماج الرقمنة في برامج التكوين الجامعي والمعاهد المتخصصة وتشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص وسن قوانين واضحة لحماية الملكية الرقمية للتراث الوطني. في الوقت الذي أصبحت فيه الرقمنة في عالم اليوم ضرورة ملحة لا مجرد خيار. وفرصة تاريخية للجزائر لأجل حماية تراثها المادي الغني، وإعادة تقديمه للعالم بأساليب حديثة تتواءم مع قيمته الحضارية في عصر تتسارع فيه وتيرة التقدم التكنولوجي، وتتمادى فيه التهديدات التي تلاحق الموروث الثقافي، لتأتي الرقمنة كوسيلة فعّالة لحماية التراث والحفاظ عليه ونقله للأجيال اللاحقة بثرائه وتنوعه الحضاري المؤرخ لمختلف العصور والحقب التي تؤكد في كل مرة يكتشف فيها موقع أن كل شبر من هذه الأرض يحمل تاريخا ومحطات خالدة تستوجب ايلاءها الأهمية أكثر من أي وقت مضى صونا للماضي وخدمة لحاضر وحتى مستقبل يملي مسايرة الراهن من تكنولوجيا عالمية فرضت نفسها وجعلت من ذاتها ضرورة.

شوشان ح

What's Your Reaction?

like

dislike

love

funny

angry

sad

wow