جمال الدين مسعودي، الباحث الذي قرّب تاريخ الجزائر إلى الأجيال بلغة الذكاء الاصطناعي ورحل قبل أن يكتمل الحلم

Aug 5, 2026 - 22:05
 0  2
جمال الدين مسعودي، الباحث الذي قرّب تاريخ الجزائر إلى الأجيال بلغة الذكاء الاصطناعي ورحل قبل أن يكتمل الحلم

قبل أيام، فقدت الساحة الثقافية والبحثية في الجزائر أحد وجوهها الشابة برحيل الأستاذ جمال الدين مسعودي عن عمر ناهز 34 عاما، إثر حادث مرور أليم وقع ببلدية المعذر، مسقط رأسه، بعد اصطدام دراجته النارية بحافلة لنقل المسافرين. وبرحيله، توقفت رحلة باحث لم يكتف بمهنة التدريس، بل جعل من البحث في تاريخ الجزائر القديم رسالة، وسخّر أحدث التقنيات لإحياء الذاكرة الوطنية وتقريبها إلى الأجيال الجديدة.كان الفقيد أستاذا للغة الفرنسية في التعليم المتوسط، غير أن شغفه الحقيقي كان يمتد إلى التاريخ والتراث الجزائريين. لم يكن يكتفي بالقراءة أو جمع المعلومات، بل اعتمد منهجا بحثيا يجمع بين العمل الأكاديمي والبحث الميداني، مؤمنا بأن الحقيقة التاريخية لا تستقى من الكتب وحدها، وإنما تبنى أيضا من خلال معاينة المواقع الأثرية وربط النصوص بالشواهد القائمة على أرض الواقع. حيث تنقل بين عدد من ولايات الوطن، باحثا في تاريخ معالمها وآثارها، يوثق، يقارن، ويفحص الروايات المختلفة، في تجربة ميدانية صنعت خصوصية مشروعه البحثي. ولم يكن هدفه إعادة سرد الأحداث التاريخية، بل الغوص في تفاصيلها وكشف أبعادها، مستندا إلى المصادر والمراجع، ومبتعدا عن الطرح السطحي الذي يكتفي بتكرار الروايات المتداولة. ولأن المعرفة في نظره لا تحقق رسالتها إذا بقيت حبيسة الكتب، اختار جمال الدين مسعودي توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتوى رقمي يحاكي حقبا من تاريخ الجزائر القديم. فقدم فيديوهات أعادت تجسيد الشخصيات والأحداث والفضاءات التاريخية في قالب بصري مشوق، مستندا إلى المادة العلمية التي جمعها بنفسه، وهو ما جعل أعماله تحظى بمتابعة واسعة عبر منصات التواصل الاجتماعي، خاصة لدى فئة الشباب الباحثة عن محتوى تاريخي يجمع بين الدقة العلمية والإبداع. ولم يكن هذا المحتوى سوى امتداد لمشروع بحثي أكبر. ففي منزله، أنشأ مكتبة ثرية ضمت عشرات الكتب والمراجع المتخصصة في تاريخ الجزائر القديم، كما جمع عددا من القطع والعناصر التراثية، محولا جزءا من بيته إلى فضاء يعكس شغفه بالذاكرة الوطنية. ولم يتوقف عند حدود ما هو متوفر داخل الوطن، بل وسّع دائرة بحثه عبر بناء شبكة علاقات مع باحثين ومهتمين داخل الجزائر وخارجها، مكّنته من الحصول على مؤلفات ووثائق نادرة، بعضها أُرسل إليه من الخارج، للاطلاع على الأرشيف والأعمال التي تناولت تاريخ الجزائر. ويؤكد شقيقه، عصام مسعودي، أن جمال الدين لم يكن باحثا عاديا، بل تميز بمنهج مختلف يقوم على البحث الميداني، وبناء العلاقات العلمية، والبحث المستمر عن المصادر الأصلية أينما كانت. ويوضح أن إتقان شقيقه للغة الفرنسية كان أحد أهم عوامل نجاحه، إذ أتاح له قراءة وتحليل عدد كبير من الدراسات والمؤلفات التي أنجزها باحثون أجانب حول تاريخ الجزائر، ومقارنتها بالمراجع العربية، قبل إخضاعها للنقاش والتحليل العلمي. ويضيف أن الراحل لم يكن يتردد في التواصل مع مختصين ومؤسسات خارج الجزائر للحصول على كتب ووثائق وأعمال أرشيفية رأى فيها قيمة علمية تضيف إلى أبحاثه، وهو ما منح مشروعه عمقا وتميزا. ويشير عصام إلى أن حلم شقيقه لم يكن مرتبطا بصناعة محتوى رقمي فحسب، بل كان يسعى إلى تأسيس مشروع معرفي متكامل يعيد الاعتبار لتاريخ الجزائر القديم، ويجعله في متناول الجميع، خاصة الشباب، بأسلوب يجمع بين الدقة والإبداع. ويؤكد أن العائلة عازمة على مواصلة هذا المسار، حفاظا على الإرث العلمي الذي تركه، وفي مقدمته كتاب حول تاريخ الجزائر وموروثها الحضاري، كان الفقيد قد وضع لمساته الأخيرة عليه قبل وفاته، وسيصدر قريبا حتى لا يبقى حبيس الأدراج. وخلال مسيرته، احتك جمال الدين مسعودي بعدد من الباحثين الجزائريين، لا سيما بمنطقة الأوراس، واستفاد من تجاربهم، لكنه احتفظ بمنهجه الخاص الذي جمع بين التحقيق التاريخي، والعمل الميداني، والاستفادة من الوسائط الرقمية الحديثة في نشر المعرفة. وهو ما جعله يحظى بتقدير واسع بين المهتمين بالتاريخ والتراث، باعتباره واحدا من الباحثين الشباب الذين اختاروا أن يخدموا التاريخ الوطني بأدوات العصر، دون أن يفرطوا في أصول البحث العلمي. وبرحيل جمال الدين مسعودي، لا تخسر الأسرة ابنًا فحسب، ولا المؤسسة التربوية أستاذا، بل تفقد الجزائر باحثا شابا كان يحمل مشروعا ثقافيا طموحا، آمن بأن التاريخ ليس صفحات تقرأ، بل ذاكرة تصان، وهوية تعرّف بها الأجيال. غير أن هذا المشروع، بحسب شقيقه عصام، لن يتوقف عند رحيل صاحبه. فقد قرر مواصلة الطريق الذي رسمه جمال الدين، مستندا إلى ما خلّفه من مكتبة ثرية، وأرشيف علمي، وعلاقات مع باحثين داخل الجزائر وخارجها، إلى جانب العمل على إخراج كتابه حول تاريخ الجزائر وموروثها الحضاري إلى النور. ويرى عصام أن أفضل وفاء لذكرى شقيقه هو مواصلة الرسالة التي نذر لها سنوات من عمره، حتى يبقى ما بدأه حاضرا في الذاكرة الثقافية، ويواصل إلهام الباحثين الشباب والمهتمين بتاريخ الجزائر وتراثها.

شوشان ح

What's Your Reaction?

Like Like 0
Dislike Dislike 0
Love Love 0
Funny Funny 0
Angry Angry 0
Sad Sad 0
Wow Wow 0