تكريم الخطاط العالمي المجاهد الشيخ محمد الطيب غيلاسي بوادي الزناتي

Sep 20, 2026 - 00:45
 0  1
تكريم الخطاط العالمي المجاهد الشيخ محمد الطيب غيلاسي بوادي الزناتي

في مبادرة تحمل الكثير من معاني الوفاء والاعتراف بالجميل، نظّمت دار مولاي لفن الخط العربي، ممثلة في الخطاط العالمي مولاي عبد الرحيم، بالتنسيق مع جمعية كافل اليتيم ورعاية الأحداث – مكتب وادي الزناتي بولاية قالمة ، وقفة تكريمية وفاءً لروح الفقيد الراحل الشيخ المجاهد والخطاط العالمي محمد الطيب غيلاسي، أحد أبناء مدينة وادي الزناتي الذين تركوا بصمة مميزة في مجال الخط العربي وخدمة القرآن الكريم. وجاء هذا التكريم تخليدًا لذكرى رجل أفنى جانبًا كبيرًا من حياته في خدمة الخط القرآني، وترك وراءه إرثًا مكتوبًا يشهد على تمكنه وإتقانه، وعلى مكانة مدرسة الخط العربي في مدينة وادي الزناتي، التي أنجبت عددًا من الأسماء التي ساهمت في إثراء المشهد الثقافي والفني والديني في الجزائر.وقد انتقل الشيخ محمد الطيب غيلاسي إلى رحمة الله بتاريخ 1 نوفمبر 2019 بالجزائر العاصمة عن عمر ناهز 89 سنة، بعد مسيرة حافلة بالعطاء، جمع خلالها بين صفتي المجاهد وخادم القرآن الكريم، وبين الحس الفني والدقة العلمية في مجال كتابة المصحف الشريف.

شيخ الخطاطين وابن وادي الزناتي

يُعد الراحل الشيخ محمد الطيب غيلاسي، ابن الحاج زيدان الزناتي، من الأسماء البارزة في تاريخ الخط القرآني بالجزائر، حيث عُرف بمهارته الكبيرة في الكتابة، ودقته في الرسم والضبط، وحرصه على الحفاظ على خصوصية الخط المغربي الذي ارتبط تاريخيًا بالمنطقة المغاربية.ولم تكن مكانته وليدة سنوات قليلة، بل جاءت نتيجة مسار طويل من التعلم والممارسة والتجربة، مكّنه من الوصول إلى مستوى جعل أعماله تحظى بالتقدير والاعتماد، خصوصًا في مجال كتابة المصحف الشريف، ومن بين الشواهد التي بقيت حاضرة على إبداعه وإتقانه اللافتة الرخامية للمسجد العتيق بوادي الزناتي، التي حملت خطه وبقيت شاهدًا ماديًا على جانب من مسيرته الفنية والعلمية، لتظل هذه الكتابة جزءًا من الذاكرة المعمارية والدينية للمدينة.

مصحف شريف يحمل بصمة غيلاسي

ومن أبرز ما خلّده الشيخ محمد الطيب غيلاسي في مسيرته، المصحف الشريف الذي خطّه بيده، والذي يُعد من الأعمال المهمة في تاريخ كتابة المصحف بالجزائر.وقد أنهى الشيخ كتابة مصحفه يوم الجمعة 26 رمضان 1411هـ الموافق لسنة 1991، قبل أن تتم إجازة تداوله رسميًا بتاريخ 17 جمادى الأولى 1414هـ الموافق لـ02 نوفمبر 1993، وفق المعطيات المتداولة حول مسار اعتماده. كما حظي المصحف باهتمام رسمي، حيث تمت مراجعته من طرف لجان تصحيح المصاحف، وأُسندت عمليات طباعته وتوزيعه في مراحل لاحقة إلى جهات مختصة، ليصل بذلك عمل الخطاط ابن وادي الزناتي إلى مختلف مناطق الجزائر.وتوجد نسخة من المصحف الذي خطّه الشيخ محمد الطيب غيلاسي محفوظة بالمسجد العتيق، وهو ما يمنح المكان قيمة إضافية باعتباره فضاءً يحتفظ بجزء مهم من ذاكرة المدينة الدينية والثقافية.

خط مغربي بروح جزائرية

كتب الشيخ محمد الطيب غيلاسي مصحفه بالخط المغربي وبضبط مغربي خالص، مع اعتماد طريقة الكوفيين في عدّ الآيات، إلى جانب علامات الأوقاف البسيطة في ضبط الوقوف. ويأتي هذا العمل في قالب فني دقيق، إذ يتكون المصحف من 503 صفحات، تضم كل صفحة 16 سطرًا، وهو ما يعكس حجم الجهد الذي بذله الخطاط في إنجاز هذا العمل، خصوصًا أن كتابة المصحف ليست مجرد ممارسة فنية، وإنما مسؤولية دقيقة تتطلب الجمع بين جمال الخط وسلامة الرسم والضبط. وهنا تكمن أهمية تجربة الشيخ غيلاسي، الذي استطاع أن يجعل من القلم وسيلة لحفظ الجمال وخدمة كتاب الله، وأن يحول صفحات المصحف إلى لوحة متكاملة تجمع بين الدقة والجمالية والوظيفة التعليمية.

تكريم يتجاوز المناسبة

ولم يكن التكريم مجرد التفاتة رمزية إلى شخصية راحلة، بل شكّل مناسبة لاستحضار قيمة الوفاء لأبناء المنطقة الذين قدموا عطاءات بقي أثرها حاضرًا بعد رحيلهم.كما أن مبادرة دار مولاي لفن الخط العربي، بالتعاون مع جمعية كافل اليتيم ورعاية الأحداث – مكتب وادي الزناتي، تفتح الباب أمام إعادة تسليط الضوء على رموز الخط العربي في المنطقة، وتعريف الأجيال الجديدة بإسهاماتهم، خاصة أولئك الذين ارتبطت أعمالهم بالقرآن الكريم والمساجد والذاكرة الثقافية المحلية.فالتراث لا يقتصر على المباني والمعالم، وإنما يشمل أيضًا الأسماء التي صنعت جزءًا من الذاكرة الجماعية، والأعمال التي بقيت شاهدة على أصحابها.

إرث مكتوب لا يموت

رحل الشيخ محمد الطيب غيلاسي، لكن قلمه لم يرحل معه؛ فقد ترك صفحات تحمل اسمه، ولافتات تحفظ أثره، وأعمالًا تشهد على رحلة رجل جعل من الخط رسالة وعلمًا وفنًا. وفي مدينة وادي الزناتي، ستظل سيرته مرتبطة بالمصحف الذي خطّه، وبالمسجد العتيق الذي يحتفظ بنسخة منه، وباللافتة الرخامية التي تحمل بصمته، وبذاكرة أبناء المدينة الذين عرفوه واحتفظوا له بمكانة خاصة.إن تكريم الشيخ المجاهد والخطاط محمد الطيب غيلاسي اليوم هو في جوهره تكريم لقيمة العلم، ولخدمة القرآن، وللخط العربي باعتباره جزءًا من الهوية الثقافية والحضارية للجزائر. ل.عزالدين

What's Your Reaction?

Like Like 0
Dislike Dislike 0
Love Love 0
Funny Funny 0
Angry Angry 0
Sad Sad 0
Wow Wow 0