تأجير القاعات والتجهيزات وتقديم الخبرات والخدمات مقابل إيرادات مؤطرة قانونًا
يفتح قرار وزاري مشترك صادر عن وزارة الثقافة والفنون نُشر في العدد 65 من الجريدة الرسمية صفحة جديدة في طريقة تعامل المؤسسات الثقافية العمومية ذات الطابع الإداري التابعة لوزارة الثقافة والفنون مع إمكاناتها ومواردها هذا من خلال السماح لها بتقديم قائمة واسعة من الأشغال والنشاطات والخدمات زيادة على مهامها الرئيسية مع تحديد كيفية تحصيل الإيرادات الناتجة عنها وتخصيصها فالقرار الموقع من وزيرة الثقافة والفنون مليكة بن دودة ووزير المالية عبد الكريم بو الزرد،لا يكتفي بتحديد مهام هذه المؤسسات بل يضع إطارًا قانونيًا يسمح لها بتثمين فضاءاتها وتجهيزاتها وخبراتها وخدماتها وتحويل جزء من هذه الإمكانات إلى مداخيل إضافية مع ضبط شروط استغلالها وآليات تحصيل الإيرادات الناتجة عنها دون أن يعني ذلك التخلي عن طبيعتها أو مهامها العمومية الأساسية، ومن المتاحف ودور وقصور الثقافة، إلى المكتبات والمراكز السينمائية والحظائر الثقافية ومعاهد التكوين يرسم النص قائمة واسعة من الخدمات والأنشطة التي يمكن تقديمها خارج المهام الرئيسية في توجه يطرح أسئلة أوسع حول مستقبل تسيير المؤسسات الثقافية العمومية وحدود تثمين مواردها، وكيفية تحقيق التوازن بين الحفاظ على وظيفتها كمرفق عمومي وبين استثمار إمكاناتها المادية والبشرية والمعرفية في هذه القراءة نتوقف عند أبرز ما جاء به القرار وما الذي يعنيه عمليًا للمؤسسات التابعة لقطاع الثقافة والفنون، وكيف ستتحول القاعات والتجهيزات والخبرات والموارد الثقافية إلى خدمات مؤطرة قانونًا وإيرادات تخضع لقواعد محددة
من أداء المهمة العمومية إلى تثمين الإمكانات المتاحة
اللافت في القرار أن المقاربة لا تتجه إلى تغيير طبيعة المؤسسات العمومية التابعة لقطاع الثقافة والفنون وإنما إلى توسيع هامش الاستفادة من الإمكانات الموجودة داخلها فالمؤسسة التي تمتلك قاعة مجهزة أو معدات تقنية، أو أرشيفًا متخصصًا أو خبرة علمية في مجال معين أو فضاءً يمكن استغلاله في نشاط ثقافي أو فني أصبح بإمكانها ضمن الشروط والإجراءات المحددة تقديم خدمات مرتبطة بهذه الإمكانات، مقابل عائدات تخضع لمسار مالي وإداري مؤطر وبذلك يضع القرار تصورًا أكثر تنظيمًا لمسألة كانت ترتبط في كثير من الحالات بإمكانات كل مؤسسة وطبيعة نشاطها من خلال تحديد الخدمات التي يمكن تقديمها وكيفية التعاقد بشأنها وآليات تحصيل الإيرادات الناتجة عنها.
المتاحف.. الفضاء الثقافي يتحول أيضًا إلى مورد للخدمات
تشمل القائمة المتاحف ومراكز التفسير المتحفي التي يمكنها، إضافة إلى وظيفتها الأساسية في حفظ وعرض المجموعات والممتلكات الثقافية والتعريف بها تأجير بعض فضاءاتها لفائدة الأنشطة الثقافية والوسائطية كما يتيح القرار لهذه المؤسسات تقديم خدمات مرتبطة بالتراث والممتلكات الثقافية والاستفادة من خبراتها التقنية إلى جانب إمكانية بيع بعض المجلات والمنشورات والمنتجات الترويجية المرتبطة بالتراث وهنا تبرز فكرة مهمة في فلسفة القرار فالمتحف لا ينظر إليه فقط باعتباره فضاءً للعرض والحفظ، بل أيضًا باعتباره مؤسسة تمتلك معرفة متخصصة وموارد مادية ومنتجات ثقافية يمكن تثمينها في إطار قانوني
المكتبات.. خدمات تتجاوز إعارة الكتب
ويمتد الإطار الجديد إلى المكتبة الوطنية والمكتبات الرئيسية للمطالعة العمومية بما يسمح باستغلال عدد من الخدمات والتجهيزات التي تتوفر عليها وتشمل القائمة، وفق القرار، تأجير القاعات والتجهيزات المخصصة للمعارض والأنشطة المرئية والمسموعة، فضلًا عن خدمات الطباعة واستعمال أجهزة الإعلام الآلي والتجليد إضافة إلى الخدمات التقنية المرتبطة بترميم المخطوطات وتقديم الخبرات ذات الصلة كما يمكن لهذه المؤسسات بيع المنشورات والوثائق المطبوعة والمستنسخة بما يعزز دور المكتبة باعتبارها فضاءً للإنتاج والخدمة الثقافية وليس مجرد مكان لحفظ الكتب والمراجع.
مراكز متخصصة.. الخبرة العلمية تتحول إلى خدمة مؤطرة
ويولي القرار أهمية خاصة للمؤسسات والمراكز التي تمتلك خبرات دقيقة في مجالات التراث والكتاب والمخطوطات والعمارة وتشمل الخدمات المسموح بها تقديم الاستشارات والخبرات العلمية والتقنية ولا سيما في مجالات حفظ المخطوطات والترميم والعمارة الطينية إلى جانب تنظيم الدورات التكوينية والورشات وبيع بعض النماذج والمنتجات والمجلات العلمية والمتخصصة وهذا البعد يكتسي أهمية خاصة لأن المؤسسات الثقافية لا تمتلك فضاءات وتجهيزات فقط وإنما تضم أيضًا كفاءات وموارد بشرية متخصصة تراكمت لديها خبرات يمكن الاستفادة منها في مشاريع ودراسات وخدمات لفائدة مختلف المتعاملين.
الحظائر الثقافية.. التراث الطبيعي والثقافي يدخل دائرة التثمين
ويمتد القرار كذلك إلى الحظائر الثقافية والدواوين والقطاعات المحفوظة بما فيها الحظائر المرتبطة بالأهقار والتاسيلي أزجر ووادي ميزاب وتتضمن الخدمات إمكانية بيع حقوق الدخول لوكالات السياحة والأسفار وتأجير بعض الفضاءات لأغراض التصوير السينمائي والفوتوغرافي، إلى جانب تقديم الدراسات والخبرات المتعلقة بحماية التراث البيئي والثقافي ويفتح هذا الجانب مجالًا لربط حماية التراث بتثمينه بطريقة منظمة خاصة أن عددًا من المواقع الثقافية والطبيعية الجزائرية أصبحت محل اهتمام متزايد من الباحثين والمنتجين السينمائيين والسياح والمهنيين غير أن جوهر القرار، يتمثل في أن الاستغلال لا يكون عشوائيًا، وإنما يتم في إطار تعاقدي وإداري ومالي محدد.
دور وقصور الثقافة.. استغلال القاعات والتجهيزات
أما دور وقصور الثقافة، وهي من أكثر المؤسسات التي تتوفر على فضاءات قابلة للاحتضان والاستغلال فقد شملتها قائمة الخدمات الإضافية ويمكن لهذه المؤسسات تأجير الصالات والفضاءات إلى جانب التجهيزات الصوتية والضوئية وأجهزة العرض لفائدة تنظيم الأنشطة والمعارض وغيرها من الفعاليات ومن شأن هذا الإطار أن يسمح بتثمين القاعات والتجهيزات التي قد تكون متاحة خارج فترات البرمجة العادية، مع الحفاظ على الوظيفة الثقافية الأساسية لهذه المؤسسات.
المؤسسات السينمائية.. من القاعات إلى العتاد و«السينما المتنقلة«
وفي المجال السينمائي يتيح القرار للمؤسسات والمراكز المختصة تقديم مجموعة من الخدمات التقنية وتشمل القائمة تأجير العتاد التقني ووسائل النقل السينمائية والقاعات، إضافة إلى إتاحة "السينما المتنقلة" ونسخ الأفلام للاستغلال فضلًا عن بيع الملصقات والمنتجات الترويجية المرتبطة بالسينما ويعكس ذلك رغبة في الاستفادة من البنية التحتية السينمائية والتجهيزات المتخصصة خارج إطار النشاط البرمجي المعتاد مع إخضاع هذه العمليات للإجراءات المنصوص عليها في القرار.
المعاهد.. التكوين والخبرة والدراسات ضمن الخدمات الإضافية
كما شملت الإجراءات معاهد التكوين العالي والمدارس الجهوية للفنون التي يمكنها تنظيم دورات تدريبية وتكوينية وورشات وندوات ومؤتمرات، فضلًا عن تقديم الدراسات والتقييمات والخبرات الاستشارية ويمكنها كذلك بيع الكتب والمطبوعة والمجلات ذات الصلة بمجالات اختصاصها وفي هذا السياق، يظهر أن القرار ينظر إلى المؤسسة التعليمية والفنية باعتبارها فضاءً للتكوين والإنتاج المعرفي والخبرة وليس فقط مؤسسة تقدم برامج التكوين النظامية.
كيف سيتم تنفيذ هذه الخدمات؟
من أبرز النقاط التي يحددها القرار أن تقديم الخدمات لا يتم بصورة مباشرة أو مفتوحة دون إطار قانوني وإنما يتم وفق عقود أو صفقات أو اتفاقيات أو طلبات خدمة تقدم إلى مدير المؤسسة المعنية وهذا التفصيل مهم لأنه يضع مسارًا إداريًا واضحًا للتعامل مع الجهات المستفيدة من الخدمات ويجعل عملية الاستغلال مرتبطة بوثيقة قانونية تحدد طبيعة الخدمة وشروطها والتزامات الأطراف، كما ينص القرار على أن تنفيذ بعض هذه العمليات يخضع لما تقتضيه طبيعة الخدمة من ترتيبات تقنية ومالية وإدارية وفي الجانب المالي، يحدد القرار مبدأ أساسيًا يتمثل في خصم التكاليف والأعباء المباشرة المترتبة عن تقديم الخدمة من الإيرادات المحصلة أي أن الإيراد الناتج عن نشاط إضافي لا يُنظر إليه باعتباره مبلغًا صافيًا قابلًا للتوزيع مباشرة وإنما تسبق ذلك عملية احتساب للتكاليف المباشرة المرتبطة بالخدمة، مثل المواد الأولية والمصاريف التشغيلية وغيرها من الأعباء التي تترتب عن تنفيذ النشاط وهذا الإجراء يسمح بالفصل بين رقم الإيرادات الإجمالي وبين المبلغ الذي يبقى بعد تغطية النفقات المباشرة المرتبطة بالخدمة.
تحصيل الإيرادات.. مسار مالي محدد
ويضع القرار كذلك آلية للتحصيل والقيد المالي، إذ يتم تحصيل الإيرادات بواسطة العون المحاسبي المعين على أن تسجل ضمن باب خارج الميزانية في سجل ملحق مخصص لذلك وبذلك يسعى النص إلى إدخال هذه الإيرادات في مسار محاسبي واضح بدل تركها في إطار عمليات مالية غير مؤطرة كما يحدد القرار كيفية تخصيص الإيرادات وفق الأحكام المنصوص عليها في المادة 120 من قانون المالية لسنة 2021.
ماذا يعني القرار عمليًا؟
الأهمية الأساسية لهذا القرار تكمن في أنه يضع إطارًا قانونيًا موحدًا نسبيًا لاستغلال الإمكانات المتوفرة لدى المؤسسات الثقافية العمومية فالمتاحف تمتلك فضاءات ومجموعات وخبرات، والمكتبات تمتلك تجهيزات وأرصدة وثائقية وخدمات تقنية، ودور الثقافة تمتلك قاعات وتجهيزات، والمراكز السينمائية تمتلك معدات وخبرات، والمعاهد تمتلك كفاءات علمية وفنية والقرار يجمع هذه الإمكانات ضمن تصور يسمح بتقديم خدمات إضافية، شريطة ارتباطها بطبيعة المؤسسة واختصاصها واحترام المسار الإداري والمالي المحدد وبعبارة أخرى، فإن النص يؤسس لفكرة تثمين الموارد الثقافية والمادية والبشرية الموجودة داخل المؤسسات العمومية دون أن تصبح الأنشطة الإضافية بديلًا عن الوظيفة الأساسية للمؤسسة.
الثقافة بين الخدمة العمومية والاستدامة المالية
ويأتي هذا التوجه في سياق أوسع يرتبط بالتحدي الذي تواجهه المؤسسات الثقافية العمومية في الحفاظ على قدرتها على أداء مهامها وفي الوقت نفسه الاستفادة من مواردها وتجهيزاتها وخبراتها فالفضاء الثقافي الذي لا يستعمل إلا في أوقات محددة والتجهيز التقني الذي يبقى دون استغلال لفترات طويلة والخبرة العلمية التي لا تتجاوز حدود المؤسسة كلها تمثل موارد يمكن أن تجد طريقها إلى الاستفادة المنظمة ومن هنا يمكن قراءة القرار باعتباره محاولة لإقامة توازن بين الطابع العمومي للمؤسسة الثقافية وبين تثمين الإمكانات التي تملكها لكن نجاح هذا التصور سيظل مرتبطًا بكيفية تطبيقه ميدانيًا، ومدى قدرة المؤسسات على تحويل هذه الإمكانات إلى خدمات فعلية مع احترام القواعد المتعلقة بالشفافية والتعاقد والتحصيل والمحاسبة
ليس فتحًا تجاريًا مطلقًا
وفي قراءة دقيقة للنص لا يتعلق الأمر بمنح المؤسسات الثقافية حرية تجارية مطلقة، بل بإقرار قائمة من الخدمات والأنشطة التي يمكن تقديمها زيادة على المهام الرئيسية ضمن شروط وإجراءات محددة كما أن القرار يربط الخدمات بطبيعة المؤسسة واختصاصها ويشترط وجود إطار تعاقدي أو إداري لتنفيذها، مع إخضاع الإيرادات والتكاليف لمسار مالي محدد وبالتالي، فإن القيمة العملية للنص لا تكمن فقط في السماح بتحصيل إيرادات إضافية، وإنما أيضًا في تنظيم العلاقة بين المؤسسة العمومية والمتعاملين معها عندما يتعلق الأمر باستغلال قاعة أو تجهيز أو خدمة تقنية أو خبرة متخصصة وإذا كان القرار يفتح الباب أمام إيرادات إضافية فإنه في المقابل يضع أمام المؤسسات الثقافية مسؤولية أخرى تقديم خدمات ذات قيمة فعلية تحافظ على جودة المرفق العمومي وتحمي الموارد الثقافية فتأجير فضاء متحفي أو ثقافي، على سبيل المثال، لا يتعلق بمجرد توفير قاعة وإنما يرتبط بطبيعة النشاط الذي سيحتضنه وشروط استخدام الفضاء وكذلك الأمر بالنسبة لاستغلال مواقع التراث في التصوير السينمائي أو الفوتوغرافي أو تقديم خبرة في مجال الترميم وحفظ المخطوطات ومن هذه الزاوية، يصبح تثمين الموارد مرتبطًا بالضرورة بحسن إدارتها. يقدم القرار الوزاري الجديد رؤية تتجاوز مفهوم المؤسسة الثقافية باعتبارها جهازًا إداريًا يقتصر على تنفيذ برنامج سنوي ممول من الميزانية العمومية بالطريقة التقليدية بل نحو تصور يسمح لها أيضًا بتثمين ما تمتلكه من فضاءات وتجهيزات وخبرات ومنتجات وخدمات وفي المقابل، يبقى النشاط الإضافي محكومًا بعدة ضوابط احترام المهام الأصلية، تحديد الخدمة، وجود عقد أو اتفاقية أو طلب خدمة، تغطية التكاليف المباشرة، والتحصيل المحاسبي وفق القواعد المعتمدة ويبقى الرهان الحقيقي، بعد صدور النص في كيفية تحويل هذه الإمكانات القانونية إلى خدمات ثقافية وفنية وعلمية ملموسة تحقق قيمة مضافة للمؤسسة وللقطاع وللمستفيدين، مع الحفاظ على جوهر المرفق الثقافي العمومي ووظيفته الأساسية.
تقرير غري أحلام
What's Your Reaction?
Like
0
Dislike
0
Love
0
Funny
0
Angry
0
Sad
0
Wow
0


