أعادت وثائق تاريخية محفوظة ضمن الأرشيف الفرنسي لبلدية القل المختلطة تسليط الضوء على أحد أبرز المعالم الدينية بمنطقة بني والبان، بعدما كشفت أن مسجد ومزار سيدي إدريس كان عبر عقود طويلة مؤسسة دينية وعلمية واجتماعية متكاملة، لعبت دورًا بارزًا في نشر العلم الشرعي، واستقبال طلبة الفقه، وإيواء الفقراء وعابري السبيل، قبل أن يعرف تراجعًا كبيرًا انتهى، وفق ما هو متداول محليًا، بإستعماله في أغراض تتنافى مع قدسيته.
وتؤكد الوثائق أن مسجد سيدي إدريس لم يكن مجرد مكان لإقامة الشعائر، بل كان مدرسة لتعليم الفقه الإسلامي يقصدها الطلبة من مختلف المناطق، حتى من قسنطينة، حيث كانت تعقد فيه مجالس علمية لمناقشة القضايا الفقهية، ما جعله منارة علمية ذات إشعاع تجاوز حدود المنطقة.
كما تشير السجلات إلى أن المزار كان يستقطب الزائرين من مختلف الطرق الصوفية، على غرار القادرية والرحمانية والطيبية، وهو ما يعكس مكانته الروحية في الشرق الجزائري، إلى جانب امتلاكه لأوقاف حبسية خصصت لضمان استمرارية رسالته الدينية والاجتماعية، قبل أن تؤول هذه الأملاك في مرحلة لاحقة إلى أملاك الدولة، دون أن تتضمن الوثائق المتوفرة تفاصيل هذا التحويل.
وتكشف وثيقة عقارية عن تسجيل القطعة رقم 1360 مكرر، التي تمتد على مساحة تقارب 18,202 متر مربع، ضمن أملاك الوقف، فيما تثبت سجلات المدارس القرآنية المؤرخة في الفاتح من نوفمبر 1920 أن المسجد كان مبنيًا بالحجارة ومغطى بالقرميد، ويبلغ طوله نحو عشرين مترًا، وكان يشرف عليه الوكيل لبيض بوزيان بن ضيف، بينما كان يوفر التعليم المجاني لثمانية تلاميذ.
وتبرز الوثائق أيضًا حجم الاهتمام الذي حظي به المسجد خلال تلك الفترة، إذ خصصت له إعانة مالية قدرها 3,400 فرنك بتاريخ الأول من فيفري 1916 لترميمه وإنجاز حوض مزدوج للطهارة والوضوء، قبل أن يؤكد تقرير رسمي صادر في جانفي 1918 اكتمال الأشغال.
غير أن هذا المعلم، الذي جمع بين العبادة والتعليم والتكافل الاجتماعي، يعيش اليوم واقعًا مؤلمًا، إذ تشير المعاينات المتداولة إلى أنه يستعمل إسطبلًا، في صورة أثارت استياء المهتمين بالتراث الديني، وفتحت باب المطالبة بالتدخل العاجل لإنقاذه.
ويرى متابعون أن الحفاظ على مسجد ووقف سيدي إدريس لا يقتصر على حماية مبنى قديم، بل يتعلق بصون جزء من الذاكرة الدينية والتاريخية لمنطقة بني والبان والقل، واستعادة الاعتبار لمعْلم شهد على مراحل مهمة من تاريخ التعليم الديني والعمل الوقفي بالجزائر.
وفي هذا الإطار، تتعالى الدعوات إلى تحرك جماعي ومسؤول تشارك فيه مختلف الفعاليات المحلية، من مواطنين وباحثين وجمعيات، إلى جانب مديرية الشؤون الدينية والأوقاف، ومديرية الثقافة، والسلطات المحلية والقضائية، من أجل وقف كل إستعمال يمس بحرمة الوقف، وتأمين الموقع، وتوثيق ما تبقى من معالمه، والعمل على استرجاعه وفق الأطر القانونية، وجمع كل الوثائق والصور والشهادات المتعلقة بتاريخه.
ويؤكد المهتمون بالتراث أن حماية الأوقاف مسؤولية مشتركة، وأن استرجاع هذا المعلم التاريخي يجب أن يتم بروح المسؤولية والاحتكام إلى القانون والوثائق التاريخية، حفاظًا على إرث ديني وثقافي يمثل جزءًا من هوية المنطقة وذاكرتها الجماعية. حياة بودينار