وثيقة عرفية للحد من مظاهر الإسراف والتكلف في العزاء والدفن بمنطقة غسيرة بباتنة

Oct 26, 2026 - 12:24
 0  2
وثيقة عرفية للحد من مظاهر الإسراف والتكلف في العزاء والدفن بمنطقة غسيرة بباتنة

في خطوة تعكس توجها نحو مراجعة بعض الممارسات الاجتماعية المرتبطة بمراسم العزاء والدفن، توافق عدد من أعيان وممثلي عروش أبناء غسيرة بولاية باتنة على إصدار وثيقة عرفية اجتماعية ترمي إلى الحد من مظاهر الإسراف والتكلف التي باتت ترافق بعض الجنائز، وإعادة الاعتبار للقيم الأصيلة القائمة على التراحم والتكافل ومساندة الأسر المفجوعة، بعيدا عن المظاهر التي قد تثقل كاهلها ماديا ومعنويا في لحظات الفقد والحزن وتأتي هذه المبادرة، بحسب ما ورد في الوثيقة التي تحوز آخر ساعة على نسخة منها، استجابة لما لاحظه أصحابها من انتشار بعض السلوكيات التي خرجت في تقديرهم، عن الغايات الإنسانية والاجتماعية للتعزية، وتحولت في بعض الحالات إلى التزامات تفرضها الأعراف السائدة، بما يدفع الأسر إلى تحمل نفقات إضافية لإعداد الطعام وتقديم الحلويات والتمور والمشروبات للمعزّين. وهي ممارسات تثير تساؤلات بشأن مدى انسجامها مع مقاصد المواساة والتخفيف عن أهل المتوفى، خصوصا العائلات محدودة الدخل التي قد تجد نفسها أمام أعباء لا تتناسب مع إمكاناتها

مراجعة العادات بما يحفظ قيم المجتمع

تنطلق الوثيقة من رؤية تدعو إلى إعادة تنظيم هذه العادات على نحو يحفظ للمجتمع خصوصيته الثقافية والاجتماعية، مع التخلص من المظاهر التي قد تحول التعزية إلى مجال للتنافس والتفاخر أو إلى مصدر للحرج الاجتماعي. فالمقصود من مواساة أهل الفقيد، في جوهرها، هو الوقوف إلى جانبهم وتخفيف مصابهم، لا تحميلهم مسؤوليات إضافية في وقت يحتاجون فيه إلى الدعم والمساندة .وشددت في هذا السياق، الوثيقة على ضرورة الالتزام بآداب الجنائز واحترام حرمة المقابر، داعية إلى حضور مراسم التشييع والدفن في أجواء يسودها الوقار والسكينة، والابتعاد عن الأحاديث الجانبية والتصرفات التي لا تتناسب مع طبيعة المناسبة. كما حثت على تقديم التعزية بما يراعي مشاعر أهل المتوفى، ويجعل المواساة فعلًا إنسانيا صادقا بعيدا عن الشكليات والمظاهر.

ترشيد الضيافة وتخفيف الأعباء عن الأسر

من أبرز التدابير التي تضمنتها الوثيقة الدعوة إلى امتناع أسرة المتوفى عن إعداد الطعام للمعزّين، مع مراعاة الحالات الاستثنائية للأشخاص القادمين من أماكن بعيدة والمضطرين إلى المبيت، حيث يُكتفى بتقديم وجبة عادية دون إسراف أو تكلف. كما دعت المعزّين إلى تجنب زيارة بيت المتوفى خلال أوقات الغداء والعشاء، والامتناع عن تناول الطعام إذا عرض عليهم، والاكتفاء بالمشروبات البسيطة، مع مراعاة عدم إطالة الزيارة، بما يخفف عن الأسرة مشقة الاستقبال ويمنحها فرصة للتعامل مع ظروف الفقد في أجواء أكثر هدوءا .وتستهدف هذه التوصيات الحد من الضغوط الاجتماعية التي قد تدفع الأسر إلى مجاراة عادات مكلفة، حتى عندما لا تسمح ظروفها المادية بذلك. فالمواساة وفق هذا التصور، لا ينبغي أن تتحول إلى التزام مالي إضافي، بل يفترض أن تكون مناسبة للتخفيف عن الأسرة ومشاركتها مصابها بأبسط الوسائل وأكثرها صدقا.

صون حقوق الورثة في صدارة الأولويات

لم تقتصر مضامين الوثيقة على تنظيم مظاهر الضيافة، بل امتدت إلى مسألة الإنفاق من تركة المتوفى، حيث نبّه أصحاب المبادرة إلى ضرورة صون حقوق الورثة وعدم تخصيص أموال التركة لنفقات العزاء قبل مراعاة الحقوق الشرعية والقانونية المتعلقة بها. وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة عندما يكون بين الورثة قصّر أو أشخاص لا يوافقون على الإنفاق من نصيبهم، الأمر الذي يجعل ترشيد نفقات العزاء مرتبطا أيضا بحماية الحقوق المالية لأفراد الأسرة وتجنب تحميلهم أعباء لم يختاروها. وتؤكد هذه الدعوة أهمية التعامل مع التركة وفق الضوابط المنظمة لها، بعيدا عن الأعراف التي قد تؤدي إلى التصرف في الأموال دون مراعاة حقوق أصحابها.

التكافل الاجتماعي بديل عن مظاهر التكلف

في مقابل الدعوة إلى الحد من مظاهر الضيافة المكلفة، أبرزت الوثيقة الدور الذي ينبغي أن يؤديه الجيران والأقارب وسائر أفراد المجتمع في مساندة الأسرة المفجوعة، من خلال تقديم المساعدة العملية وتوفير احتياجاتها الضرورية، بدل تركها تتحمل وحدها أعباء استقبال المعزّين وإعداد الطعام. وهو التوجه الذي يعكس سعيا إلى ترسيخ مفهوم أكثر عمقا للتكافل الاجتماعي، يقوم على تقاسم الأعباء وتقديم العون في أوقات الشدة، بدل الاكتفاء بمظاهر الضيافة التي قد تتحول إلى التزامات مرهقة. فالمساندة الحقيقية تتجسد في الوقوف إلى جانب الأسرة، ومساعدتها على تجاوز ظروفها الصعبة، ومراعاة احتياجاتها وإمكاناتها. كما دعت الوثيقة إلى تجنب نصب خيام العزاء ووضع إشارات التمهل في الطرقات إلا عند الضرورة، مع الاستفادة من المرائب والفضاءات المتاحة لاستقبال المعزّين، تفاديًا لعرقلة حركة المرور أو التسبب في مضايقات لمستعملي الطريق. ويأتي هذا الإجراء ضمن توجه يرمي إلى مراعاة المصلحة العامة، وتحقيق التوازن بين متطلبات استقبال المعزّين وحقوق بقية المواطنين في استعمال الطرقات والفضاءات العامة

.ثلاثة أيام للتعزية وتوجيه الصدقات إلى أبواب الخير

تضمنت الوثيقة كذلك دعوة إلى الاكتفاء بثلاثة أيام للتعزية، مع مراعاة ظروف الأشخاص الذين تعذر عليهم الحضور في الوقت المناسب بسبب الغياب أو غيره من الأسباب، إلى جانب الدعوة إلى عدم إقامة ما يُعرف اجتماعيا بـ"السبوع"، استنادا إلى الموقف الشرعي الذي يتبناه أصحاب المبادرة تجاه هذه الممارسة كما حثت الوثيقة في المقابل، على توجيه أوجه الإنفاق المرتبطة بالوفاء للمتوفى نحو أعمال البر والإحسان، من خلال مساعدة الفقراء والمحتاجين والمرضى والأشخاص العاجزين، بما يجعل الصدقة بابا للنفع ويمنح التضامن الاجتماعي بعدا عمليا يتجاوز المظاهر الظرفية. ويقوم هذا الطرح على تشجيع صور من الإحسان تعود بالفائدة على المحتاجين، وتتيح للأقارب والأصدقاء التعبير عن وفائهم للمتوفى من خلال أعمال خيرية نافعة.

وثيقة عرفية بمشاركة أبناء غسيرة داخل البلدية وخارجها

بحسب ما ورد في الوثيقة، فقد احتضنت قاعة المحاضرات في تفلفال اجتماعا للتشاور بشأن هذه الممارسات والبحث عن السبل المناسبة للحد منها، وبعد تبادل الآراء ومناقشة المقترحات، اتفق على إصدار وثيقة عرفية موجّهة إلى سكان بلدية غسيرة وأبنائها المقيمين خارجها، مع دعوتهم إلى الالتزام بمضامينها والمساهمة في إنجاح هذه المبادرة. ويعوّل أصحاب الوثيقة على وعي أفراد المجتمع بأهمية هذه الخطوة، باعتبارها مسعى اجتماعيا يرمي إلى مراجعة بعض العادات التي يرون أنها أصبحت بحاجة إلى إعادة نظر، بما يحفظ للمجتمع قيمه الأصيلة ويصون كرامة الأسر ويحميها من الضغوط المادية والاجتماعية. كما يأملون أن تكون هذه المبادرة بداية لمسار أوسع من التشاور المجتمعي حول الممارسات التي يمكن تطويرها بما ينسجم مع مقاصد الدين ومقتضيات الحياة الاجتماعية

بين المحافظة على الموروث ومراجعة الممارسات

تطرح هذه الخطوة نقاشا يتجاوز حدود بلدية غسيرة، ليتصل بإشكالية أوسع تتمثل في كيفية المحافظة على العادات والتقاليد التي تؤدي دورا إيجابيا في توطيد العلاقات الاجتماعية، مع مراجعة الممارسات التي قد تتحول، بفعل التنافس أو ضغط الأعراف، إلى أعباء على الأسر والأفراد فالمحافظة على الموروث الاجتماعي لا تعني بالضرورة الإبقاء على جميع تفاصيله دون مراجعة، بل تقتضي التمييز بين ما يجسد قيم التضامن وصلة الرحم، وما قد يفضي إلى الإسراف أو الإحراج أو المساس بحقوق الآخرين. ومن هذا المنطلق، تبدو المبادرة محاولة لإيجاد توازن بين الوفاء للعادات المحلية والحاجة إلى تطويرها بما يستجيب للتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يعرفها المجتمع ولا يتوقف نجاح المبادرة عند إصدار الوثيقة أو الإعلان عن بنودها، وإنما يرتبط بمدى تقبل المجتمع لمضامينها وتحويلها إلى سلوك يومي نابع من الاقتناع والمسؤولية المشتركة. فالتغيير المستدام في العادات الاجتماعية يحتاج إلى وعي جماعي يحرر الأسر من ضغط المجاملة والتنافس، ويجعل من البساطة والاعتدال خيارًا مقبولًا اجتماعيًا، لا سببا للحرج أو الانتقاد. لتبقى الرسالة الأساسية التي تحملها مبادرة أعيان وممثلي عروش أبناء غسيرة هي إعادة الاعتبار للمعنى الحقيقي للتعزية، بوصفها مناسبة للتراحم والتآزر والوقوف إلى جانب أهل الفقيد، بعيدا عن كل ما من شأنه مضاعفة معاناتهم. في دعوة إلى جعل التضامن ممارسة ملموسة، تتجسد في المساعدة والمواساة وصون الحقوق واحترام حرمة المقابر، بما يسهم في ترسيخ ثقافة الاعتدال والتعاون، ويحافظ على تماسك المجتمع وأصالته.

شوشان ح

What's Your Reaction?

Like Like 0
Dislike Dislike 0
Love Love 0
Funny Funny 0
Angry Angry 0
Sad Sad 0
Wow Wow 0