كشفت تحقيقات باشرتها لجنة مختصة تابعة لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي عن وجود ثغرة مالية خطيرة تفوق ثلاثة ملايير سنتيم بكلية الحقوق بجامعة باجي مختار بعنابة، ما أعاد إلى الواجهة إشكالية التسيير المالي والرقابة داخل المؤسسات الجامعية. وحسب معطيات أولية تحصلت عليها الجهات المختصة، فإن القضية تتعلق بشبهات تلاعب في المنح الخاضعة للضريبة على الدخل الإجمالي (IRG) الخاصة بعمال كلية الحقوق، حيث تشير المعلومات إلى قيام محاسب الكلية باستغلال منصبه للتلاعب في العمليات المحاسبية المتعلقة بالأجور والرواتب على مدار عدة سنوات. حيث تعود تفاصيل القضية إلى ورود معلومات دقيقة إلى الجهات الوصية، تفيد بوجود اختلالات غير مبررة في كشوف الأجور والمنح، الأمر الذي دفع بوزارة التعليم العالي إلى تشكيل لجنة مختصة باشرت تحقيقات معمقة شملت مراجعة السجلات المحاسبية والعمليات المالية المرتبطة بالأجور. وبعد تعمق التحقيقات، تم التوصل إلى اكتشاف قيام المحاسب المعني بتحويل مبالغ مالية من مستحقات الموظفين، خاصة المنح الخاضعة للضريبة، إلى حسابه الخاص، بطريقة تدريجية وعلى فترات متباعدة، ما صعّب في البداية عملية اكتشاف الاختلالات.
[مبالغ ضخمة وتوقيف تحفظي]
وقدّرت اللجنة المختصة قيمة المبالغ المحولة بأكثر من ثلاثة ملايير سنتيم، وهو رقم اعتُبر خطيرًا بالنظر إلى طبيعته وامتداده الزمني. وعلى إثر ذلك، تم اتخاذ قرار التوقيف التحفظي في حق المحاسب المعني، غير أن هذا الأخير يوجد حاليًا في حالة فرار، حسب ما أكدته مصادر مطلعة. وفي السياق ذاته، لا تزال التحقيقات مفتوحة، حيث توسعت لتشمل عددًا من العمال الذين كانوا يعملون معه في نفس المصلحة، بهدف تحديد ما إذا كانت هناك تواطؤات أو تقصير مهني ساهم في استمرار هذه التجاوزات لسنوات دون اكتشافها.
[غياب عميد رسمي وتعقيدات إدارية]
ومن بين النقاط التي أثارتها التحقيقات، مسألة غياب عميد رسمي لكلية الحقوق خلال فترة من الزمن، وهو ما أتاح – حسب المعطيات – للمحاسب المعني إمضاء بعض الوثائق الإدارية والمالية المرتبطة بالعمليات محل التحقيق، الأمر الذي زاد من تعقيد الوضع وطرح تساؤلات حول منظومة الرقابة الداخلية وتوزيع الصلاحيات داخل الكلية. تجدر الاشارة الى ان هذه القضية، أعادت إلى الأذهان حادثة اختلاس شهدتها ولاية عنابة قبل حوالي 11 سنة، على مستوى قباضة ما بين البلديات، حيث قام القابض آنذاك بتحويل عشرات الملايير من السنتيمات بنفس الأسلوب تقريبًا، مستغلًا موقعه الوظيفي. وقد انتهت تلك القضية بإدانته بعقوبة خمس سنوات حبسًا نافذًا بعد متابعته قضائيًا.
مطالب بتشديد الرقابة والشفافية
من جهة اخرى تثير هذه القضية مجددًا تساؤلات حول فعالية آليات الرقابة المالية داخل المؤسسات الجامعية، وضرورة تعزيز الشفافية وتكثيف عمليات التفتيش الدوري، خاصة في ما يتعلق بتسيير الأجور والمنح، التي تمس مباشرة حقوق العمال. وفي انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات الجارية، تبقى القضية محل متابعة واسعة من الرأي العام، في ظل مطالب بمحاسبة كل المتورطين، إن ثبتت التهم، واتخاذ إجراءات وقائية تحول دون تكرار مثل هذه الاختلالات التي تمس المال العام وتسيء إلى سمعة القطاع الجامعي.