من دار مبراك إلى دار بحري ودار السرايا ولعوابدية : هل تستعيد منازل عنابة العتيقة روحها وتتحول إلى دور للحرفيين وفضاءات للسياحة التراثية؟

Oct 28, 2026 - 13:11
 0  10
من دار مبراك إلى دار بحري ودار السرايا ولعوابدية : هل تستعيد منازل عنابة العتيقة روحها وتتحول إلى دور للحرفيين وفضاءات للسياحة التراثية؟

نور الدين مبارك يدعو إلى إشراك الجامعة والتكوين المهني في ترميم المنازل القديمة ومقترحات لإحياء الحرف المهددة بالزوال واستحداث وجهة سياحية تقليدية بقلب «بلاص دارم»

في قلب المدينة القديمة بعنابة حيث تتشابك الأزقة الضيقة وتختزن الجدران آثار أجيال تعاقبت على المكان لا تزال المنازل العتيقة تحمل في تفاصيلها حكايات مدينة لا يمكن اختزال تاريخها في معالمها الأثرية أو واجهتها البحرية فخلف الأبواب القديمة وبين الأفنية الداخلية والجدران التي أنهكها الزمن تختبئ ذاكرة معمارية واجتماعية وثقافية تستحق أن تُصان لا باعتبارها شاهدًا على الماضي فحسب بل باعتبارها موردًا يمكن أن يمنح المدينة حياة جديدة ويحول تراثها إلى فضاء للإبداع والعمل والاستثمار السياحي.
وبينما تتجه الجهود نحو إعادة الاعتبار للمدينة القديمة «بلاص دارم» يبرز سؤال جوهري يتجاوز عمليات الترميم في حد ذاتها: ماذا بعد ترميم هذه المنازل؟ وهل يمكن أن تتحول إلى فضاءات حية تحتضن الحرف التقليدية المهددة بالزوال وتستقبل السياح المحليين والأجانب وتمنح الصناعات التراثية مكانة تستحقها ضمن المشهد الثقافي والسياحي لولاية عنابة؟ هذا التساؤل يكتسب بعدًا ميدانيًا من خلال ما طرحه السيد نور الدين مبارك، في حديثه لجريدة آخر ساعة  بشأن ترميم منزله وإعادة بعث الروح فيه بمجهوده الخاص داعيًا إلى التفاف المؤسسات المعنية حول هذه المبادرة وإشراك قطاعات الثقافة والتعليم العالي والتكوين المهني وبلدية عنابة  حتى لا تبقى مهمة الحفاظ على هذا الموروث مسؤولية فردية بل تتحول إلى مشروع تشاركي تتقاطع فيه المعرفة الأكاديمية مع التكوين التطبيقي والإرادة المحلية ولا يقف التصور عند حدود إنقاذ منزل من التدهور بل يفتح الباب أمام رؤية أوسع لإعادة توظيف الدور العتيقة من بينها دار مبراك ودار بحري ودار السرايا ودار لعوابدية ضمن مشروع ثقافي وسياحي متكامل يمنح كل منزل وظيفة تتلاءم مع خصوصيته ويجعل من المدينة القديمة فضاءً حيًا يستعيد دوره في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية

دار مبراك.. مبادرة فردية تفتح باب العمل الجماعي

في الوقت الذي تتطلب فيه المنازل العتيقة تدخلات متخصصة وإمكانات مادية وتقنية للحفاظ عليها اختار السيد نور الدين مبارك أن يشرع في مسعى إعادة بعث الروح في منزله واضعًا جهده الخاص في سبيل المحافظة على هذا الجزء من ذاكرة المدينة القديمة غير أن أهمية هذه المبادرة لا تكمن في الأشغال التي يسعى إلى إنجازها فحسب وإنما في الرسالة التي تحملها والمتمثلة في ضرورة الانتقال من المبادرات الفردية إلى مقاربة تشاركية تسمح بتعبئة الكفاءات والمؤسسات والموارد المتاحة حتى تتحول حماية التراث من مسعى محدود الإمكانات إلى ورشة جماعية ذات أبعاد ثقافية وتعليمية واقتصادية ومن هذا المنطلق، وجّه نور الدين مبارك دعوته إلى مديرة الثقافة والفنون، وبلدية عنابة، وقطاعي التعليم العالي والتكوين المهني من أجل المساهمة في ترميم منزله وإعادة تأهيله عبر تسخير الإمكانات المتاحة لدى هذه القطاعات وتوفير التأطير التقني والعلمي اللازم بما يسمح بتجسيد المشروع على أرض الواقع ويقوم هذا التصور على فكرة بسيطة في مضمونها لكنها واسعة في نتائجها المحتملة بدل أن تبقى دار مبراك ورشة يعمل فيها صاحبها بمفرده وفي حدود إمكاناته الخاصة يمكن أن تتحول إلى ورشة تطبيقية مفتوحة أمام المتربصين والطلبة يتعلمون فيها ويطبقون معارفهم ويساهمون في الوقت نفسه في إنقاذ بناية تاريخية وإعادة إدماجها في الحياة الثقافية للمدينة وهي مقاربة تجمع بين هدفين متكاملين الأول يتمثل في الحفاظ على منزل عتيق وإعادة الاعتبار إليه والثاني في تحويل عملية الترميم نفسها إلى فرصة للتكوين ونقل الخبرة، بما يجعل المشروع مفيدًا للمؤسسات التعليمية والمتربصين وصاحب المنزل والمدينة ككل

التكوين المهني في قلب ورشة الترميم

من بين المقترحات التي طرحها نور الدين مبارك إشراك قطاع التكوين المهني من خلال دعوة المسؤولين المعنيين إلى زيارة المنزل والاطلاع على وضعيته والعمل على إمكانية تسخير متربصين في تخصصات البناء والأشغال المرتبطة به للمساهمة في أشغال الترميم والتأهيل تحت إشراف مؤطرين مختصين فالتكوين المهني لا يقتصر على الدروس النظرية والتمارين داخل الورشات المغلقة بل يقوم أساسًا على اكتساب المهارات من خلال الممارسة الميدانية والاحتكاك بظروف العمل الحقيقية والتعامل مع مواد البناء وتقنيات التنفيذ ومختلف الإشكالات التي قد تواجه المتربص أثناء أداء مهامه ومن هذا المنطلق يمكن أن تمثل دار مبراك فضاءً تطبيقيًا مناسبًا لتجسيد بعض المعارف المكتسبة في تخصصات البناء شريطة أن تتم الأشغال وفق دراسة تقنية واضحة وبإشراف مختصين مؤهلين مع احترام خصوصية البناية التاريخية وطبيعة المواد والتقنيات التي يتطلبها ترميمها فترميم منزل عتيق يختلف عن إنجاز بناية جديدة لأنه يقتضي فهم خصائص البناء القائم وتحديد مواطن الضعف واختيار طرق التدخل المناسبة والمحافظة على العناصر الأصلية التي تمنح المكان قيمته التاريخية والمعمارية ويمكن للمتربصين بحسب تخصصاتهم ومستوى تأهيلهم أن يستفيدوا من تجربة ميدانية تتعلق بأشغال البناء والترميم والتشطيبات الملائمة والتعرف على كيفية التعامل مع البنايات القديمة في حين يتولى المؤطرون المختصون تحديد طبيعة الأشغال التي يمكن إسنادها إليهم، وفق معايير السلامة والجودة ولا يتعلق الأمر بتكليف المتربصين بترميم منزل تاريخي دون تأطير وإنما بإقامة مشروع تطبيقي منظم يتيح لهم التعلم والمشاركة في عمل ذي قيمة ثقافية مع ضمان أن تتم التدخلات الحساسة تحت إشراف مهندسين وتقنيين مختصين في ترميم التراث المبني كما يمكن لهذا التصور أن يفتح المجال أمام تعاون مستمر بين صاحب المنزل ومؤسسات التكوين المهني بما يسمح بتكرار التجربة في منازل أخرى بالمدينة القديمة إذا أثبتت نجاعتها وتوفرت الشروط التقنية والإدارية اللازمة وهنا تتحول دار مبراك إلى أكثر من منزل يحتاج إلى الترميم تصبح فضاءً لاكتساب المهارات ونموذجًا لكيفية توظيف التكوين التطبيقي في خدمة التراث المحلي.

الجامعة والهندسة المعمارية.. من الدراسات النظرية إلى الميدان

وإذا كان التكوين المهني يتيح للمتربصين تطبيق المهارات المرتبطة بأشغال البناء فإن التعليم العالي يمكن أن يساهم بدوره في المشروع من خلال إشراك طلبة الهندسة المعمارية والتخصصات ذات الصلة في دراسات ميدانية وأعمال أكاديمية تطبيقية، تسمح لهم بالاحتكاك بواقع البنايات التاريخية وفهم تحديات الحفاظ عليها وفي هذا السياق، دعا نور الدين مبارك إلى إشراك قطاع التعليم العالي من خلال إمكانية تسخير مجموعة من طلبة الهندسة المعمارية للمساهمة في دراسة المنزل وتوثيق عناصره واقتراح تصورات لإعادة تأهيله وربط معارفهم النظرية بمشروع ميداني يهدف إلى إعادة بعث الحياة في دار عتيقة داخل المدينة القديمة ويمكن أن تشمل هذه المساهمة وفق طبيعة الدراسة والاتفاق مع المؤسسة الجامعية إعداد مخططات دقيقة للبناية ورفع القياسات وتوثيق العناصر المعمارية وتحليل الحالة الراهنة للجدران والأسقف والفتحات والأفنية إلى جانب اقتراح حلول لإعادة التوظيف تحافظ على الهوية الأصلية للمكان كما يمكن أن تشكل الدار موضوعًا لمشاريع التخرج والبحوث الجامعية بما يتيح للطلبة دراسة العلاقة بين العمارة التقليدية والوظائف المعاصرة وكيفية تهيئة المنازل التاريخية لاستقبال الزوار أو احتضان الحرف أو الأنشطة الثقافية، دون المساس بقيمتها التراثية ومن شأن هذا التعاون أن يمنح الجامعة دورًا ملموسًا في محيطها المحلي ويتيح للطلبة فرصة التعامل مع بناية حقيقية بدل الاكتفاء بالنماذج النظرية كما يوفر لصاحب المنزل دراسات وتصورات تقنية يمكن أن تساعده في تنظيم مشروع الترميم وتحديد أولوياته ويمكن كذلك التفكير في إشراك تخصصات أخرى مثل التاريخ والآثار وعلم الاجتماع والدراسات الثقافية من أجل توثيق الذاكرة المرتبطة بالمنزل وجمع الشهادات حول تاريخه واستعمالاته وتحديد العناصر التي تستحق المحافظة عليها وإبرازها للزوار مستقبلًا.

مديرية الثقافة وبلدية عنابة.. شريكان في إعادة بعث الروح


في تصور نور الدين مبارك لا يمكن أن تنجح عملية إعادة بعث الروح في المنازل العتيقة بالاعتماد على جهود الأفراد وحدها مهما بلغت رغبتهم في الحفاظ على التراث لأن هذه المشاريع تحتاج إلى تأطير وتنسيق ومرافقة وإلى تدخلات تتجاوز الإمكانات الشخصية ومن هنا تأتي أهمية دعوته إلى مديرة الثقافة والفنون وبلدية عنابة من أجل الاطلاع على وضعية دار مبراك ودراسة إمكانات المساهمة في ترميمها وإعادة تأهيلها بالتنسيق مع الجهات المختصة في البناء والهندسة المعمارية والتراث فمديرية الثقافة يمكن أن تؤدي دورًا أساسيًا في الجانب المتعلق بحماية القيمة التاريخية والمعمارية للمنزل وتوجيه التدخلات بما يتوافق مع الضوابط المعمول بها في الحفاظ على التراث والمساهمة في تحديد الوظيفة الثقافية التي يمكن أن يحتضنها المكان بعد تأهيله كما يمكن أن تسهم في توثيق تاريخ المنزل وجمع المعلومات المتعلقة به وتحديد العناصر المعمارية والفنية التي ينبغي المحافظة عليها وربط المشروع بمبادرات أوسع للتعريف بالمدينة القديمة وموروثها أما بلدية عنابة فيمكن أن يكون لها دور في التنسيق المحلي وتسهيل التواصل بين الأطراف المعنية ودراسة إمكانات دعم المشروع ضمن صلاحياتها وإمكاناتها وربطه بمساعي تحسين المحيط الحضري للمدينة القديمة وتعزيز جاذبيتها ولا تقتصر أهمية التنسيق بين هذه الجهات على دار مبراك وحدها بل يمكن أن يشكل مدخلًا لإعداد تصور أوسع بشأن المنازل العتيقة التي تحتاج إلى تدخلات وتلك التي يمكن أن تستقبل أنشطة ثقافية أو حرفية أو سياحية بعد استكمال الدراسات اللازمة.

دار مبراك ودار بحري ودار السرايا ولعوابدية.. رصيد معماري ينتظر وظيفة جديدة


لا ينحصر النقاش حول إعادة الاعتبار للمدينة القديمة في دار مبارك وحدها بل يمتد إلى عدد من المنازل العتيقة التي تحمل أسماء متداولة في الذاكرة المحلية من بينها دار بحري ودار السرايا ودار لعوابدية إلى جانب دار مبارك وتشكل هذه الدور جزءًا من الرصيد المعماري الذي يستحق أن يُدرس ويُوثق مع تحديد الحالة الفعلية لكل بناية وطبيعة ملكيتها ومدى حاجتها إلى الترميم والإمكانات المتاحة لإعادة توظيفها فلكل منزل خصوصيته ولا يمكن افتراض أن جميعها صالحة للوظيفة نفسها أو أن حالتها المعمارية متطابقة لذلك فإن أي مشروع لإعادة بعثها ينبغي أن يبدأ بجرد ميداني يحدد خصائصها ويصنفها وفق إمكانات التدخل ويقترح الاستخدام الأكثر ملاءمة لكل واحدة منها وقد يكون من الممكن تخصيص بعض المنازل إلى فضاءات للضيافة والتعريف بالمطبخ التقليدي فيما يمكن أن تستقبل منازل أخرى معارض أو أنشطة ثقافية أو ورشات تعليمية والأهم أن يجري التفكير في هذه الوظائف ضمن رؤية متكاملة تجعل من كل دار محطة ذات خصوصية داخل مسار ثقافي وسياحي أوسع بدل أن تتحول المنازل إلى فضاءات متشابهة لا تختلف فيما بينها إلا في الاسم إن دارًا تُخصص للحرف التقليدية يمكن أن تتكامل مع دار للضيافة وأخرى تعرض تاريخ المدينة أو توثق الصناعات التراثية بما يسمح للزائر بالانتقال بين تجارب متنوعة، ويمنح المنازل القديمة دورًا متجددًا في الحياة اليومية للمدينة 


منازل تتحول إلى ديار للحرفيين.. إنقاذ للمهن المهددة بالزوال


إلى جانب ترميم المنازل القديمة يبرز مقترح تخصيص عدد منها لاحتضان الحرفيين والمهن التقليدية التي تواجه خطر التراجع أو الاندثار باعتباره أحد أهم المسارات التي يمكن أن تمنح التراث المعماري وظيفة اقتصادية وثقافية مستدامة فالحرف التقليدية ليست مجرد نشاطات لإنتاج السلع وإنما تمثل جزءًا من الذاكرة الجماعية لأنها تحمل تقنيات ومهارات وأشكالًا من المعرفة انتقلت عبر الأجيال وأصبحت مرتبطة بهوية المدن والمجتمعات وعندما يتراجع عدد الحرفيين أو يجد أصحاب هذه المهن صعوبة في توفير فضاءات مناسبة لممارسة نشاطهم فإن استمرار الحرفة يصبح مهددًا خاصة إذا لم تتوفر فرص لتعليمها للشباب أو تسويق منتجاتها أو تعريف الجمهور بقيمتها ومن هنا، يمكن أن تتحول بعض المنازل العتيقة إلى دور للحرفيين تحتضن ورشات مفتوحة وتتيح للزوار مشاهدة مراحل الإنتاج والتعرف على المواد والأدوات والتقنيات التي يستعملها الحرفيون إلى جانب شراء المنتجات التقليدية مباشرة من صانعيها ومن بين المجالات التي يمكن التفكير في احتضانها صناعة الآلات الموسيقية التقليدية وإصلاحها وهي حرفة تجمع بين المعرفة التقنية والخبرة اليدوية والارتباط بالتراث الموسيقي ويمكن أن تتيح دار مخصصة لهذا النشاط فرصة للتعرف على طرق صناعة الآلات والمواد المستخدمة فيها كما يمكن تخصيص فضاء للحرف المرتبطة بالنحاس من خلال عرض تقنيات النقش والتشكيل وصناعة الأواني والقطع الزخرفية إلى جانب توثيق الأدوات القديمة والطرق التي اعتمدها الحرفيون في إنتاجها ويبرز كذلك مجال الخياطة التقليدية وصناعة الألبسة التراثية والتطريز بما في ذلك الحرف المرتبطة بالقطيفة العنابية التي تمثل أحد العناصر المعروفة في الموروث المحلي ويمكن أن تستفيد من فضاء يسمح للحرفيات بممارسة نشاطهن وعرض منتجاتهن ونقل خبراتهن إلى الأجيال الجديدة ولا ينبغي إغفال الحرف المرتبطة بالقطع التراثية والمقتنيات التقليدية من حيث التوثيق والتعريف والترويج مع احترام القوانين المتعلقة بالملكية الثقافية والآثار والتمييز بين المنتجات الحرفية الجديدة والمقتنيات التاريخية الأصلية ويمكن أن تشمل المبادرة أيضًا الفخار والخزف والنقش على الخشب وصناعة المنتجات الجلدية وغيرها من الحرف التي يحددها الجرد الميداني بالتنسيق مع غرفة الصناعة التقليدية والحرف وأصحاب المهنة ولا يكفي تخصيص منزل للحرفيين وفتح أبوابه أمام الزوار بل ينبغي أن يرافق ذلك برنامج للتكوين والتسويق يضمن للحرفيين الاستفادة من نشاطهم ويسمح باستمرار الورشات على مدار السنة ويشجع الشباب على تعلم الحرف التي قد لا يجدون فرصة لممارستها في فضاءات أخرى
يمكن أن تقوم فكرة ديار الحرفيين على نموذج الورشة الحية التي تجمع بين ممارسة الحرفة وعرض المنتج والتكوين والتعريف بالتراث فبدل أن يدخل الزائر إلى فضاء يعرض مجموعة من المنتجات الجاهزة فقط يمكنه أن يشاهد الحرفي وهو يعمل ويتعرف على مراحل صناعة القطعة ويسمع شرحًا عن تاريخ الحرفة وتطورها، والصعوبات التي تواجه استمرارها وتمنح هذه التجربة قيمة إضافية للمنتج التقليدي لأنها تجعل الزائر يدرك الوقت والجهد والمهارة التي يتطلبها وتربطه بقصة الحرفي.

«دار الباي».. نموذج للاستلهام في سياحة التراث


عند الحديث عن تحويل المنازل التقليدية إلى فضاءات للضيافة واستقبال الزوار تبرز «دار الباي» التقليدية باعتبارها نموذجًا يمكن الاستلهام من فكرته في الجمع بين المكان التراثي وتجربة الضيافة والتعريف بالموروث المحلي وتقوم أهمية هذا النوع من الفضاءات على أنه يمنح الزائر تجربة ترتبط بالمكان نفسه حيث لا يكتفي بمشاهدة البناء من الخارج بل يدخل إلى فضاء يستحضر بعض ملامح الحياة التقليدية ويتعرف على الأطباق المحلية والعادات المرتبطة بالضيافة ومن هذا المنطلق يمكن التفكير في تحويل بعض منازل «بلاص دارم» إلى فضاءات تقدم تجارب متنوعة مستلهمة من هذا النموذج مع منح كل دار خصوصيتها ووظيفتها الخاصة فدار يمكن أن تتخصص في تقديم الأطباق التقليدية وأخرى في عرض الألبسة والحرف، وثالثة في استقبال ورشات فنية وثقافية بما يجعل التجربة السياحية أكثر تنوعًا وارتباطًا بتاريخ المدينة ولا يعني ذلك نسخ تجربة واحدة أو تحويل المنازل إلى مرافق متشابهة وإنما بناء مسار سياحي متكامل يستفيد من فكرة الضيافة التراثية ويطورها بما يتناسب مع خصائص كل منزل وإمكاناته ومن شأن هذه المقاربة أن تمنح المدينة القديمة قيمة مضافة خاصة إذا ارتبطت بتكوين المرشدين السياحيين وإعداد مواد تعريفية دقيقة والترويج لهذه الفضاءات لدى الفنادق ووكالات السفر والمؤسسات السياحية والثقافية

حماية التراث مسؤولية مشتركة


إن الدعوة التي أطلقها نور الدين مبارك من خلال حديثه لجريدة "آخر ساعة" تفتح النقاش حول مسؤولية المؤسسات والأفراد في حماية المنازل العتيقة وتطرح إمكانية تحويل الجهود الفردية إلى مشاريع تشاركية تستفيد من الكفاءات الجامعية وخبرات التكوين المهني وتأطير المؤسسات الثقافية فصاحب المنزل يستطيع أن يساهم بإرادته وجهده، والجامعة يمكن أن توفر المعرفة والدراسات، والتكوين المهني يتيح فرص التطبيق واكتساب الخبرة فيما يمكن للجهات المعنية بالثقافة والبلدية أن تدرس سبل المرافقة والتنسيق ضمن اختصاصاتها وعندما تتكامل هذه الأدوار يصبح الترميم فرصة للتعلم والإنتاج بدل أن يكون عبئًا يتحمله شخص واحد وتتحول البناية التاريخية إلى مشروع يربط بين المحافظة على التراث وخدمة المجتمع كما أن توسيع التجربة لتشمل بقية المنازل القديمة يمكن أن يفتح المجال أمام مقاربة جديدة لإعادة الاعتبار للمدينة تقوم على الجمع بين الترميم والتكوين والحرف والسياحة بدل الاقتصار على الأشغال العمرانية دون تصور واضح لاستعمال الفضاءات بعد تأهيلها وفي هذا الإطار، يمكن أن تكون دار مبارك نقطة انطلاق لتجربة تستحق الدراسة ليس لأنها ستقدم حلًا نهائيًا لمشكلات المدينة القديمة وإنما لأنها تطرح سؤالًا عمليًا كيف يمكن تحويل الرغبة في حماية التراث إلى عمل ميداني يستفيد منه الجميع؟


منازل تحكي الماضي وتبني المستقبل


إن المنازل العتيقة في عنابة ليست مجرد جدران وأبواب أنهكها الزمن بل هي جزء من ذاكرة المدينة وهويتها ومن الرصيد الذي يمكن أن تستند إليه في بناء عرض ثقافي وسياحي أكثر تنوعًا فدار مبراك، بما يطرحه صاحبها من دعوة إلى إشراك المؤسسات والطلبة والمتربصين في ترميمها، يمكن أن تصبح مدخلًا لنقاش أوسع حول كيفية إعادة بعث الحياة في هذه الدور ومنحها وظائف تتجاوز حدود السكن أو البناية القديمة كما أن دار بحري ودار السرايا ودار لعوابدية وغيرها من المنازل التاريخية تطرح بدورها ضرورة التفكير في مستقبل هذه الفضاءات من خلال توثيقها وحمايتها ودراسة إمكانات إعادة توظيفها بما يتناسب مع خصوصيتها وقد يكون جزء من الحل في تخصيص منازل للحرفيين وأخرى للضيافة الثقافية وثالثة للمعارض والتكوين والتوثيق، ضمن مسار سياحي متكامل يستلهم تجربة «دار الباي» التقليدية ويمنح الزوار فرصة لاكتشاف الموروث المحلي من داخل الفضاءات التي احتضنته تاريخيًا إن التحدي الحقيقي الذي تواجهه المدينة القديمة بعنابة لا يتمثل في كيفية ترميم المنازل فحسب بل في كيفية ضمان استمرار الحياة داخلها بعد الترميم ومنحها وظائف تجعل المحافظة عليها مصلحة مشتركة بين السكان والحرفيين والطلبة والمؤسسات والزوار.
فهل تكون دار مبارك بداية لتجربة تجمع بين جهود الأفراد وإمكانات الجامعة والتكوين المهني وتمهد لبعث ديار للحرفيين وفضاءات للضيافة التراثية داخل «بلاص دارم»؟ سؤال يضع مستقبل المنازل العتيقة أمام فرصة جديدة قوامها أن يتحول التراث من ذاكرة مهددة بالتراجع إلى مورد حي للتكوين والإبداع والسياحة وأن تستعيد دار مبراك ودار بحري ودار السرايا ودار لعوابدية وغيرها من الدور مكانتها في حياة المدينة لا بوصفها شواهد على ماضٍ مضى بل فضاءات تواصل فيها عنابة رواية تاريخها للأجيال القادمة. غري أحلام

What's Your Reaction?

Like Like 0
Dislike Dislike 0
Love Love 0
Funny Funny 0
Angry Angry 0
Sad Sad 0
Wow Wow 0