"ليلة ليست ككل الليالي"...  عرض مسرحي يستحضر جراح الطفولة ويفتح نوافذ الأمل ببجاية

Oct 20, 2026 - 10:01
 0  1
"ليلة ليست ككل الليالي"...   عرض مسرحي يستحضر جراح الطفولة ويفتح نوافذ الأمل ببجاية

في أجواء الطبعة الخامسة عشرة من المهرجان الدولي للمسرح ببجاية، احتضنت قاعة مراد زيديري بدار الثقافة "طاوس عمروش" عرضا مسرحيا بعنوان "ليلة ليست ككل الليالي"، من إنتاج فرقة Les Amis de la Scène التابعة لدار الشباب برباشة، وذلك في إطار المنافسة الخاصة بتظاهرة "مسرح القرية"، التي تشكل فضاء لتمكين الفرق المحلية من إبراز تجاربها الفنية، والتنافس الإبداعي، وتبادل الأفكار والخبرات. وحمل العرض إلى الجمهور حكاية إنسانية تنبش في الذاكرة والوجع النفسي، مسلطة الضوء على الآثار العميقة التي قد تتركها التجارب الأسرية القاسية في نفسية الطفل، وما يمكن أن تخلّفه من انعكاسات تمتد إلى مراحل متقدمة من العمر. تدور أحداث المسرحية حول فتاة شابة تستيقظ، في ليلة عيد ميلادها العشرين، من حلم يعيدها إلى ذكريات مؤلمة عاشتها في طفولتها، حين كانت في الثامنة من عمرها. ومن خلال استرجاع محطات من ماضيها، تنكشف معاناة شخصية وجدت نفسها في مواجهة تداعيات انفصال والديها، وما رافقه من شعور بالوحدة والحرمان العاطفي، في ظل غياب من يصغي إليها ويمنحها الإحساس بالأمان والاحتواء. وتتطور الحكاية لتكشف كيف تحولت هذه التجربة إلى جرح داخلي ظل يرافق الفتاة لسنوات، ويدفعها إلى الانعزال داخل غرفتها، والابتعاد عن محيطها، والتخلي عن أحلامها. وبين الحزن والغضب، تجد الشخصية نفسها أسيرة ماض لم تتمكن من تجاوز آثاره، في صراع نفسي يعكس هشاشة الإنسان حين يعجز عن التعبير عن ألمه أو يجد نفسه وحيدا في مواجهته. ولا يكتفي العمل باستحضار الذكريات المؤلمة، بل يجعل منها مدخلا لطرح تساؤلات حول أثر التفكك الأسري في الأطفال، وأهمية الإصغاء إلى مشاعرهم واحتياجاتهم النفسية، حتى لا تتحول المعاناة الصامتة إلى حاجز يفصلهم عن ذواتهم وعن العالم المحيط بهم. على الرغم من ثقل الموضوع الذي تتناوله المسرحية، فإن مسار الأحداث لا يستسلم للحزن، بل يتجه نحو التحول واستعادة الأمل. فليلة عيد الميلاد، التي تستحضر خلالها البطلة ماضيها بكل ما يحمله من ألم، تصبح لحظة فاصلة تدفعها إلى إعادة النظر في واقعها، واتخاذ قرار بالخروج من عزلتها ومواجهة ما عاشته من تجارب قاسية. ويمثل هذا التحول جوهر الرسالة الإنسانية للعمل، حيث تبرز المصالحة مع الذات بوصفها خطوة أولى نحو تجاوز الانكسارات واستعادة الثقة بالحياة. فالماضي، مهما كانت قسوته، لا ينبغي أن يتحول إلى سجن دائم، كما أن استعادة الأحلام تظل ممكنة متى امتلك الإنسان الشجاعة لمواجهة جراحه وفتح صفحة جديدة في حياته، وتقدم "ليلة ليست ككل الليالي" حكاية تتجاوز حدود التجربة الفردية لملامسة واقع اجتماعي تعيشه عائلات كثيرة، مؤكدة أهمية الدعم العاطفي داخل الأسرة، وضرورة توفير فضاءات آمنة تتيح للأطفال التعبير عن مخاوفهم ومشاعرهم بعيدا عن الإهمال أو التهميش. وتندرج مشاركة فرقة Les Amis de la Scène، التابعة لدار الشباب برباشة بولاية بجاية، ضمن المنافسة الخاصة بتظاهرة «مسرح القرية»، التي تتيح للفرق المحلية فرصة تقديم أعمالها أمام الجمهور، وإبراز قدراتها الإبداعية ضمن برنامج المهرجان الدولي للمسرح ببجاية. وتكتسي هذه المبادرة أهمية خاصة في دعم الحركية المسرحية المحلية، من خلال تشجيع التجارب الفنية الناشئة، وخلق فضاء للتفاعل بين الفرق المشاركة، بما يسمح بتبادل الخبرات وتطوير الممارسات المسرحية، وكذا تعزيز حضور المسرح بوصفه وسيلة للتعبير عن قضايا المجتمع وانشغالات الإنسان. أما على المستوى الفني، فيحمل العرض توقيع هشام بن يحيى، الذي تولى كتابة النص والإخراج والسينوغرافيا، فيما أسندت الموسيقى إلى نجيم بن علوش، والإضاءة إلى ياسر أمريون، والديكور إلى صدام محي الدين، بينما تولى سفيان مريجة هندسة الصوت. وبين ذاكرة مثقلة بالجراح ورغبة في التحرر من قيود الماضي، تطرح "ليلة ليست ككل الليالي" موضوعا إنسانيا يلامس الوجدان، ويعيد التذكير بأن بعض الآلام التي تبدأ في الطفولة قد تظل حاضرة لسنوات، وأن تجاوزها يحتاج إلى الفهم والاحتواء والشجاعة. إنها حكاية عن فتاة تحاول استعادة ذاتها، وعن أحلام قد تتعثر طويلا، لكنها لا تفقد بالضرورة فرصة العودة إلى الحياة من جديد.

شوشان ح

What's Your Reaction?

Like Like 0
Dislike Dislike 0
Love Love 0
Funny Funny 0
Angry Angry 0
Sad Sad 0
Wow Wow 0