أستاذ الأنثروبولوجيا إبراهيم بن عرفة: "السامة ليست نشرة جوية تقليدية بل ذاكرة بيئية وثقافية"

Jul 27, 2026 - 22:15
 0  76
أستاذ الأنثروبولوجيا إبراهيم بن عرفة: "السامة ليست نشرة جوية تقليدية بل ذاكرة بيئية وثقافية"

مع دخول فترة "السامة"، أو ما يعرف في عدد من مناطق الأوراس بـ"وسو"، قبل يومين وفق الحساب الفلاحي المحلي المتوارث، عاد سكان القرى والمداشر إلى استحضار واحد من أقدم التقاليد المرتبطة بالتقويم الأمازيغي الفلاحي.

ورغم التحولات التي عرفها نمط الحياة وظهور وسائل حديثة ودقيقة لرصد الأحوال الجوية، لا يزال العديد من سكان الأوراس يستقبلون هذه الفترة بإهتمام خاص، ويستأنسون بحسابها وما تحمله من دلالات مرتبطة بالموسم الزراعي المقبل. وفي المجالس العائلية والفلاحية، يعود الحديث عن تغيرات الطقس واتجاه الرياح ودرجات الحرارة وحالة السماء، حيث يستعيد كبار السن حسابا ورثوه عن الأجداد، يرون فيه قراءة شعبية للطبيعة وتجربة متراكمة تساعدهم على استشراف ملامح السنة الفلاحية القادمة.

ولم تكن "السامة" بالنسبة للإنسان الأوراسي مجرد أربعة أيام عابرة، بل شكلت عبر قرون جزءا من منظومة معرفية شعبية نشأت من العلاقة اليومية بين الفلاح والأرض، إذ اعتمد الإنسان المحلي على مراقبة محيطه الطبيعي لتنظيم أعماله الزراعية والتكيف مع خصوصيات البيئة الجبلية. ورغم أن هذه الممارسات لا يمكن مقارنتها بالمعرفة العلمية الحديثة القائمة على القياس والرصد والنماذج المناخية، فإن قيمتها تبقى راسخة باعتبارها جزءا من التراث الثقافي غير المادي الذي يعكس طريقة تفكير المجتمع الأوراسي وعلاقته بالطبيعة. وفي قرى الأوراس، لا تزال "السامة" مناسبة تستحضر فيها الذاكرة الجماعية قصص الأجداد وتجارب الفلاحين، حيث تتحول السماء والرياح وتغيرات الطقس إلى موضوع للنقاش بين كبار السن، في مشهد يعكس استمرار حضور هذا الموروث رغم تغير أنماط الحياة.

ولفهم هذا التقليد بعيدا عن التفسيرات المتداولة، كان لنا هذا الحوار مع الأستاذ إبراهيم بن عرفة، أستاذ الأنثروبولوجيا بقسم اللغة والثقافة الأمازيغية بجامعة باتنة 01، للحديث عن الأبعاد الثقافية والاجتماعية والمعرفية لـ"السامة" ومكانتها في الذاكرة الجماعية.

يؤكد الأستاذ إبراهيم بن عرفة أن "السامة" أو "وسو" تمثل جزءا من التراث الثقافي غير المادي الذي يعكس خبرة الإنسان المحلي في قراءة الطبيعة وعلاقته بالبيئة، مشددا على ضرورة توثيق هذا الموروث والحفاظ عليه باعتباره ذاكرة جماعية، مع الفصل بين قيمته الثقافية والمعرفة العلمية الحديثة. موضحا أن الإشكال الذي يقع فيه بعض الدارسين عند تناول "السامة" أو "وسو" أو "الصمايم" يتمثل في محاولة إثباتها أو نفيها علميًا، في حين أن جوهرها لا يرتبط بكونها وسيلة دقيقة للتنبؤ بالطقس، وإنما باعتبارها نسقا معرفيا شعبيا تشكل عبر قرون من الملاحظة المستمرة للطبيعة والبيئة، قبل أن يمتزج بالمعتقدات والتأويلات الثقافية المتوارثة.

وأشار الأستاذ إبراهيم بن عرفة، انطلاقا من أبحاثه الأكاديمية حول الممارسات الطقوسية والاحتفالية وعلاقتها بالنشاط الفلاحي في الجزائر، إلى أن يوم 12 يوليو وفق الحساب الفلاحي، الموافق لـ25 جويلية، يمثل بداية فترة "وسو"، وهي مرحلة تمتد أربعين يوما وتعرف في الثقافة الشعبية بـ"الأربعينية". وأوضح أن هذه الفترة ارتبطت تاريخيا بارتفاع درجات الحرارة والإستعداد للموسم الزراعي المقبل، حيث كان الفلاحون يراقبون مختلف الظواهر الطبيعية، خاصة الأمطار الصيفية المصحوبة بحبات البرد، ويربطونها بما يعرف في الموروث الفلكي الشعبي بمرور نجم الشعري اليمانية، معتبرين بعض العلامات مؤشرات رمزية على طبيعة الموسم الفلاحي القادم.

وشدد الباحث على أن هذه التصورات لا ينبغي التعامل معها كقوانين علمية، وإنما كمعرفة بيئية تقليدية نشأت من تراكم تجارب الإنسان مع محيطه، فقد اعتمد الفلاح قديمًا على مراقبة حركة النجوم، واتجاه الرياح، وتغيرات الحرارة، وسلوك النباتات والحيوانات من أجل تنظيم أعماله الزراعية في غياب وسائل الرصد الحديثة. ولا تقتصر أهمية "وسو" على بعدها المناخي، حسب الأستاذ بن عرفة، بل تمتد إلى الحياة الاجتماعية والثقافية للمجتمع الريفي، إذ ارتبطت بعد انتهاء موسم الحصاد بفترة من الاستقرار النسبي التي كانت تشهد إقامة الأعراس والخطوبات والختان وتكثيف الزيارات العائلية، ما جعلها محطة ضمن الرزنامة الاجتماعية للمجتمعات الفلاحية، كما أشار إلى أن شهر غشت الفلاحي كان يمثل موسمًا مهمًا للرعي، حيث تستفيد المواشي من بقايا المحاصيل في الحقول، وهو ما يعكس التكامل بين الزراعة وتربية الماشية في الإقتصاد الريفي التقليدي.

ويخلص الأستاذ إبراهيم بن عرفة إلى أن "السامة" ليست مجرد حساب للأيام أو قراءة شعبية للطقس، بل هي جزء من الذاكرة الجماعية للأوراس، تختزن طريقة تفكير الإنسان المحلي وعلاقته بالأرض والطبيعة، داعيا إلى توثيق هذا الموروث مع الحفاظ على التمييز بين قيمته الثقافية والمعارف العلمية الحديثة القائمة على القياس والرصد المناخي.

وبينما تتطور وسائل الإنسان في قراءة الطقس واستشراف أحوال المناخ، تبقى "السامة" شاهدة على زمن كان فيه الفلاح الأوراسي يصغي إلى إشارات الأرض والسماء قبل أن يخطط لمواسمه الزراعية، لتظل بذلك حلقة من حلقات التقويم الفلاحي الأمازيغي المتكامل، الممتد من يناير إلى مختلف محطات السنة، وذاكرة ثقافية تستحق التوثيق والحفاظ عليها باعتبارها جزءا من هوية المنطقة وتراثها اللامادي. شوشان ح

What's Your Reaction?

Like Like 1
Dislike Dislike 0
Love Love 1
Funny Funny 0
Angry Angry 0
Sad Sad 0
Wow Wow 0