أعيان عرش بني بوسليمان يعيدون تحيين وثيقة الزواج وإحياء تقاليد التضامن الأوراسي
في خطوة تحمل أبعادا اجتماعية وثقافية تتجاوز حدود المناسبة، التأم نهاية الأسبوع بمسجد أبي بكر الصديق بتكوت المركز، التابعة لولاية باتنة، جمع من أعيان وكبار عرش بني بوسليمان، إلى جانب أئمة ومثقفين ورجال أعمال وفعاليات اجتماعية وشبابية، في لقاء خصّص لتدارس وتحيين وثيقة الزواج التي ظلّت لسنوات إحدى المرجعيات العرفية التي يحتكم إليها في تنظيم شؤون الزواج بين أبناء العرش. ويأتي هذا اللقاء في سياق مسعى لإعادة قراءة هذه الوثيقة وتكييفها مع التحولات التي يعرفها المجتمع، بما يحافظ على جوهر القيم التي قامت عليها، ويستجيب في الوقت ذاته للمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي طرأت على المنطقة خلال العقود الأخيرة. ولم يكن الاجتماع مجرد لقاء لتعديل بنود وثيقة ذات طابع اجتماعي، وإنما مثّل مناسبة لإعادة تفعيل إحدى آليات التشاور الجماعي التي ارتبطت تاريخيا بالبنية الاجتماعية للمجتمع الأوراسي، حيث اضطلع العرف، إلى جانب الدين ومؤسسات الدولة، بدور مهم في تنظيم العلاقات الاجتماعية، وتسوية الخلافات، وترسيخ قيم التضامن والتكافل والمحافظة على تماسك الجماعة. وقد تم اللقاء في أجواء أخوية، وبمشاركة ممثلين عن شرائح مختلفة من أبناء العرش، ومن فئات عمرية ومناطق متعددة من ولاية باتنة، وهو ما منح النقاش طابعا تشاوريا واسعا، وجعل من عملية تحيين الوثيقة شأنا جماعيا يتجاوز الأشخاص والأجيال، لما تكتسيه وثيقة الزواج من أهمية تتجاوز تنظيم العلاقة بين الزوجين، إذ ترتبط بالأسرة الممتدة وشبكة القرابة والمصاهرة والمكانة الاجتماعية للعائلتين. فالزواج عند عرش بني بوسليمان على غرار المجتمع الأوراسي التقليدي لم يكن حدثا فرديا معزولا، وإنما مؤسسة اجتماعية تنشأ من خلالها روابط جديدة بين العائلات، وتتوسع بها شبكة القرابة والمصاهرة، وتبنى حولها التزامات متبادلة ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية ورمزية. ولهذا ارتبط الزواج في الذاكرة المحلية، بجملة من القيم والممارسات التي تستهدف حماية الأسرة والحد من النزاعات وترسيخ الاعتدال والتيسير بما يتلاءم مع ظروف الجماعة وقدراتها. لتأتي مبادرة إعادة النظر في وثيقة الزواج وتحيينها محاولة لإقامة جسر بين الذاكرة العرفية ومتطلبات الحاضر، وليس مجرد مراجعة تقنية لمجموعة من البنود. ذلك أن العرف في المجتمع الأوراسي لم يكن مجرد مجموعة من القواعد غير المكتوبة، بل كان في كثير من الحالات، آلية لتنظيم الحياة اليومية وتحديد العلاقات بين الأفراد والعائلات والجماعة، كما شكّل أحد أبرز مكونات الذاكرة الاجتماعية التي انتقلت من جيل إلى آخر عبر الممارسة والتنشئة والحكاية والمجالس العائلية والاجتماعية، حيث يرتبط مشروع إعادة إحياء اجتماع الأعيان بالتظاهرة الثقافية السنوية لسوق عيد الخريف، وهي مناسبة يمكن أن تتجاوز بعدها الاحتفالي لتصبح فضاء لاستعادة جانب من الذاكرة الاجتماعية والثقافية للمنطقة. فالسوق لم يكن مجرد مكان للتبادل التجاري بل كان فضاء للتواصل والتعارف وتبادل الأخبار، ومجالا لنسج العلاقات وتوسيع شبكات المصاهرة والتعاون والتضامن. ومن المنتظر أن تصاغ المخرجات والقرارات التي تم التوافق بشأنها خلال اللقاء في وثيقة جديدة، تكون مرجعا لأبناء العرش خلال السنوات المقبلة، على أن تتم تلاوتها في جلسة علنية بحضور السلطات المحلية والولائية، خلال افتتاح التظاهرة الثقافية لسوق عيد الخريف لهذه السنة، في وقت تعتزم فيه الجمعية مواصلة جهودها من أجل إعادة ترسيخ اجتماع الأعيان سنويا، بالتزامن مع تنظيم التظاهرة الثقافية لسوق عيد الخريف، في مسعى لتحويل اللقاء إلى موعد اجتماعي وثقافي قارّ. ليتحول الاجتماع تدريجيا من مبادرة ظرفية إلى مؤسسة للذاكرة الجماعية، يلتقي فيها أبناء العرش من مختلف الأجيال والمناطق، ويتداولون في القضايا التي تهم مجتمعهم، ويستعيدون من خلالها بعض الممارسات التي أسهمت تاريخيا في بناء التضامن الاجتماعي، مع إعادة صياغتها بما ينسجم مع واقع اليوم.
وبذلك فإن اجتماع أعيان عرش بني بوسليمان بتكوت لا يروي فقط قصة وثيقة زواج يجري تحيينها، وإنما يعكس في عمقه محاولة مجتمع محلي لإعادة ترتيب علاقته بذاكرته في ظل زمن اجتماعي متغير. وبين المسجد ومجلس الأعيان وسوق عيد الخريف تتقاطع ثلاث مساحات رمزية أساسية تتمثل في الدين، العرف والذاكرة الجماعية؛ وهي عناصر ظلت على امتداد التاريخ الاجتماعي للأوراس، حاضرة بدرجات مختلفة في تشكيل منظومة القيم التي ساعدت على ترسيخ التضامن والانتماء وروابط الجماعة. شوشان
What's Your Reaction?
Like
0
Dislike
0
Love
0
Funny
0
Angry
0
Sad
0
Wow
0



