"دار الباي " بالمدينة القديمة تعيد عنابة إلى واجهة السياحة الثقافية
في قلب المدينة القديمة "بلاص دارم" بعنابة، وبين أزقة تختزن تفاصيل قرون من التاريخ، تواصل "دار الباي" التقليدية جذب الزوار والسياح المحليين وحتى الأجانب، لتتحول تدريجيا من معلم تراثي إلى إحدى الوجهات الثقافية التي تستقطب السياح والمهتمين بتاريخ المدينة. ومنذ انطلاق موسم الاصطياف في 21 جوان وإلى غاية 20 أوت الجاري، المصادف ليوم أول أمس الخميس، استقبلت دار الباي أكثر من 8 ألاف زائر وسائح من مختلف ولايات الوطن، وفق الإحصائيات المتداولة . وتكشف هذه الأرقام عن حجم الإقبال على المعلم خلال فترة زمنية قصيرة، إذ تجاوز عدد الزوار 8 ألاف شخص خلال 61 يوما فقط ، أي بمعدل يفوق 131 زائرا يوميا. وفي هذا الصدد فإن هذا الرقم لا يعكس فقط ارتفاع عدد الوافدين إلى دار الباي، بل يكشف أيضا عن تنامي الاهتمام بالسياحة الثقافية في عنابة، التي لطالما ارتبط اسمها بالشواطئ والمواقع الطبيعية، في حين تزخر في المقابل بتراث معماري وتاريخي قادر على استقطاب شريحة واسعة من الزوار. فالمدينة القديمة "بلاص دارم" ليست مجرد فضاء عمراني، وإنما ذاكرة مفتوحة تحمل بين مبانيها وأزقتها آثار مراحل تاريخية متعاقبة، وهو ما يجعل زيارة دار الباي فرصة للتعرف على جانب آخر من المدينة بعيدا عن السياحة الشاطئية نظرا بما تزخر بها عنابة من كورنيش ساحلي كبير الممتد من سيدي سالم مرورا بعناية الى غاية سرايدي وشطايبي، و يأتي الإقبال على "دار الباي " خلال هذه الفترة من فصل الصيف في سياق موسم إصطياف يشرف على نهايته تعرف خلاله عنابة تدفقا كبيرا للزوار من مختلف مناطق الوطن خاصة هذا العام مع الإرتفاع الكبير في درجات الحرارة التي وصلت الى مستويات قياسية ناهيك عن عامل تأجيل الدخول المدرسي الى العشر الأواخر من شهر سبتمبر المقبل. غير أن اللافت في هذه الحركة السياحية هو توجه جزء من الزوار حتى من أبناء المدينة نفسها نحو المعالم التاريخية والثقافية، على غرار متحف هيبون والاثار الرومانية وكنيسة القديس اوغسطين ودار الباي بحثا عن تجربة مختلفة تجمع بين الاستكشاف والتعرف على خصوصية المدينة. وبذلك، تقدم "دار الباي" نموذجا للسياحة الداخلية التي تتجاوز فكرة زيارة الشاطئ إلى اكتشاف القصور القديمة، والمدينة العتيقة، والعمارة التقليدية والذاكرة التاريخية. كما إن استمرار تدفق الزوار على دار الباي يطرح سؤالا أوسع يتعلق بمكانة المعالم التراثية ضمن الخارطة السياحية لعنابة. فالمعلم يمتلك مقومات تسمح له بأن يكون نقطة جذب دائمة، وليس مجرد وجهة موسمية، خاصة إذا ما تم إدماجه ضمن مسارات سياحية تشمل مختلف المعالم الموجودة في المدينة القديمة.كما يمكن أن يشكل الإقبال المتزايد عليه والمستمر فرصة لتعزيز التعريف بالتراث المحلي، وتشجيع المبادرات الثقافية، وربط السياحة بالاقتصاد المحلي والحرف التقليدية والمنتجات المرتبطة بالهوية الثقافية للمنطقة. وبين هذا وذاك تكشف تجربة دار الباي أن مدينة عنابة تملك إمكانات سياحية لا تتوقف عند البحر والشواطئ فقط فإلى جانب المقومات الطبيعية، توجد ثروة تاريخية وثقافية يمكن أن تمنح المدينة منتجا سياحيا متنوعا على مدار السنة. ويبقى التحدي الحقيقي هو تحويل هذا الإقبال إلى مشروع مستدام للسياحة الثقافية، عبر تثمين المعالم، وربطها بمسارات سياحية متكاملة، وتحسين ظروف استقبال الزوار، والتعريف بتاريخ المدينة القديمة وتراثها.وفي انتظار ذلك، تواصل دار الباي استقبال زوارها، لتثبت أن ولاية عنابة قادرة على تقديم أكثر من شمس وبحر، وأن بين أزقتها القديمة حكايات لا تزال قادرة على جذب آلاف الزوار. والجذير بالإشارة تعود أهمية "دار الباي" إلى الحقبة العثمانية عندما كانت عنابة إحدى أهم المدن التي تحت السيطرة العثمانية في شمال إفريقيا. وكانت هذه المدينة مركزا تجاريا هاما، ما جعلها مكانا للنشاط السياسي والاجتماعي. في هذه البيئة المزدهرة تم بناء العديد من المباني الرائعة التي تمثل ذروة الفن المعماري العثماني. دار الباي كانت واحدة من هذه التحف المعمارية التي أُدرجت ضمن التراث الثقافي المحلي. وتمتاز "دار الباي" بموقعها المميز في وسط المدينة القديمة وقريبة من ساحة الثورة حيث تحيط بها الأزقة الضيقة التي تنبض بالحياة والمارة فهذا الموقع جعلها مركزا اجتماعيا مهما على مر العصور.
عادل أمين
What's Your Reaction?
Like
0
Dislike
0
Love
0
Funny
0
Angry
0
Sad
0
Wow
0



