موبي ديك  رواية القرن التاسع عشر التي تحدت خوف الإنسان من الحوت "العملاق"

Aug 24, 2026 - 20:38
 0  3
موبي ديك  رواية القرن التاسع عشر التي تحدت خوف الإنسان من الحوت "العملاق"

مرّت 175 عاماً على كتابة هذه الرواية الكلاسيكية للكاتب الأمريكي، هرمان ملفيل، وهي قصة تحكي صراع الإنسان مع الحوت، بيد أن الرواية، في جوهرها، طرحت تساؤلاً عن سبب شعور البشر بهذا القدر من الرهبة من هذه الكائنات البحرية العملاقة. دأب الإنسان، على مدار الزمان ورغم اختلاف المكان، على النظر إلى الحيوانات بوصفها أصدقاء ومتعاونين وآفات وآلهة وشياطين، وظلت نظرتنا إليها في تغيّر مستمر. وأرصد في كتابي الجديد الذي يحمل عنوان "كتاب الوحوش: استعادة حكمة الحيوانات"، التاريخ العاطفي لعلاقة البشر بالحيوانات، كما أتأمل في الكيفية التي أثّر بها السرد القصصي في أسلوب معاملتنا لها، ويبدو أن مستقبلنا المشترك قاتماً، إلى حد كبير، مع تراجع أعداد الكائنات في الحياة البرية بنسبة 73 في المئة بين عامي 1970 و2000. وعلى الرغم من ذلك، فإن علاقة البشر مع مخلوق واحد على وجه الخصوص، وهو الحوت، ينبغي أن تبعث فينا الأمل، ففي العصور القديمة والعصور الوسطى، كان الإنسان يربط بين الحيتان ووحوش البحر والشيطان، أما اليوم فقد أصبحت الحيتان من الحيوانات التي يتوق كثير من البشر إلى رؤيتها وإنقاذها. وجاءت واحدة من اللحظات المفصلية في إعادة نظر الإنسان في علاقته بالحوت قبل 175 عاماً، مع صدور رواية "موبي ديك" للكاتب هرمان ملفيل، تلك الملحمة الأمريكية التي تحكي قصة صراع الإنسان مع الحوت، والتي يؤدي هوس بطلها المأساوي، الكابتن أهاب، بمطاردة حوت العنبر الأبيض الذي تحمل الرواية اسمه، إلى موته. ويروي القصة شخص يدعى إسماعيل، وهو بحار ينضم إلى رحلة الكابتن أهاب لصيد الحيتان بحثاً عن المال والمغامرة، بيد أن أهاب يكشف، على متن السفينة، السبب الحقيقي للرحلة: وهو الانتقام، فهو يريد مطاردة الحوت "موبي ديك" والقضاء عليه، لأنه كان سبباً وراء بتر ساقه في رحلة سابقة. بيد أن ملفيل لم يكن يشارك أهاب عداءه تجاه ذلك الكائن البحري، بل إن روايته تدعو القراء إلى التساؤل عن مصدر خوف البشر من الحيوانات "المرعبة"، وعما إذا كانت تلك المخاوف تقول عنّا أكثر مما تقوله عن تلك الحيوانات.

القصة الحقيقية التي ألهمت "موبي ديك"

كان صيد الحيتان، في الوقت الذي نشر فيه ملفيل روايته "موبي ديك"، في منتصف القرن التاسع عشر، نشاطاً اتسع نطاقه وأصبح قطاعاً تجارياً كبيراً، وكان صائدو الحيتان يبحرون في رحلات محفوفة بالخطر لقتل الحيتان واستخراج شحومها بغية الحصول على "زيت التران"، الذي استُخدم في تشحيم آلات الثورة الصناعية، وفي إضاءة "مصابيح الزيت" في المدن المتنامية.وأصبحت بلدة نانتوكيت، الواقعة على الساحل الشرقي للولايات المتحدة في ولاية ماساتشوستس، والتي تبدأ فيها أحداث رواية "موبي ديك"، عاصمة صيد الحيتان، وحملت لقب "المدينة التي أضاءت العالم"، وكان صائدو الحيتان قد عرفوا هذه الكائنات من خلال الملاحظة المباشرة، بعد أن توفرت للعلماء عينات خضعت للتشريح، وقسّم علم التصنيف الحيتان وغيرها من الحيوانات إلى فئات محددة اعتماداً على الفروق التشريحية والتاريخ التطوري، وأخيراً، بدا وكأن البشر قد سلطوا الضوء على ذلك العالم الغامض في أعماق المياه. وعلى الرغم من ذلك، ظلّت بعض الحيتان تتحدى تلك التصورات البشرية المتعلقة بقابلية التنبؤ بها، ففي 20 نوفمبر عام 1820، صدم حوت عنبر سفينة صيد الحيتان "إسكس" وأغرقها في جنوب المحيط الهادئ، واستطاع 20 رجلاً النجاة على متن ثلاثة قوارب، وقضوا قرابة ثلاثة أشهر في البحر، يعانون الجوع والجفاف، ثم انتهى بهم الأمر، وفقاً لشهادتين مكتوبتين للناجين، إلى اللجوء إلى أكل لحوم البشر، وكان من بين الناجين شخص يدعى أوين تشيس، أحد كبار أفراد الطاقم، والذي ألهمت شهادته كتابة أحداث رواية "موبي ديك". من دون شك، رسخت المأساة الواقعية والقصة الملحمية التي أوحت بها، في الخيال الجمعي، على نحو غير مسبوق، احتمالاً بالغ الندرة يتمثل في هجوم حوت على سفينة، فاحتمالات أن يصدم حوت سفينة تكاد تنعدم تماماً، إذ لا يوجد سوى نحو خمس حالات تاريخية مسجلة، كما أن الحيتان تتجنب المواجهة، وتُفهم اليوم حوادث مثل غرق السفينة "إسكس" على أنها حوادث اصطدام عرضية أو أفعال دفاع عن النفس، بيد أن مخاوفنا، كما أراد ملفيل نفسه أن يظهرها من خلال رواته، ليست عقلانية دائماً.



What's Your Reaction?

Like Like 0
Dislike Dislike 0
Love Love 0
Funny Funny 0
Angry Angry 0
Sad Sad 0
Wow Wow 0