من منطقة نائية على الخريطة إلى حديث الجزائريين: "تنزروفت" حين أخرج قرار أمني صحراء "أرض الرعب" من صمت الجغرافيا
في بلد تتسع رقعته من شواطئ المتوسط إلى أعماق الصحراء، توجد أماكن لا يعرف عنها كثيرون سوى أسمائها، وأخرى لا تستحضر إلا عندما يفرض حدث استثنائي حضورها على المشهد. تنزروفت واحدة من هذه الأماكن، منطقة صحراوية موغلة في الجنوب، ظلت لسنوات بعيدة عن دائرة الاهتمام اليومي، قبل أن يتحول اسمها فجأة إلى واحد من أكثر الأسماء تداولا، بعد الإعلان عن قرار تحويل ثكنة عسكرية بها إلى مؤسسة سجنية عالية التأمين مخصصة للمحكوم عليهم في قضايا المخدرات. لم يكن القرار في حد ذاته كفيلا بإثارة كل هذا الفضول حول المنطقة، بقدر ما فعل موقعها وطبيعتها. فما إن انتشر الخبر حتى بدأ السؤال يتردد على نطاق واسع: أين تقع تنزروفت؟ وكيف تبدو هذه الصحراء التي اختيرت لتحتضن سجنا مخصصا لبارونات المخدرات؟. ومن هنا بدأت حكاية أخرى موازية للخبر الأمني. خرائط تفتح، وصور تتداول، ومسافات يجري البحث عنها، وقصص قديمة عن صحراء اشتهرت بقسوة طبيعتها تعود إلى الواجهة. وفي ظرف قصير، انتقل اسم ظل طويلا حبيس الخرائط الجغرافية إلى صدارة الأحاديث والمنشورات، وأصبحت تنزروفت التي لم تكن معروفة على نطاق واسع، حاضرة بقوة في النقاش الجزائري.
قرار أمني يعيد رسم حدود النقاش
جاء قرار تحويل ثكنة عسكرية في تنزروفت إلى سجن عالي التأمين، عقب اجتماع المجلس الأعلى للأمن برئاسة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، ليضع المنطقة في قلب حديث وطني واسع. وفي خلفية القرار توجد معركة تتجاوز العقوبة في حد ذاتها، وتتعلق بمواجهة شبكات الاتجار بالمخدرات التي أصبحت من الملفات الأمنية والاجتماعية الثقيلة، بالنظر إلى ما يرتبط بها من تهريب وترويج وتحقيق أرباح غير مشروعة، إلى جانب آثارها المباشرة على المجتمع. في وقت تلقى القرار ترحيبا من مواطنين رأوا فيه رسالة ردع قوية إلى المتورطين في هذه الجرائم، خصوصا أولئك الذين ينشطون ضمن شبكات منظمة ويمتلكون امتدادات وعلاقات يمكن أن تمنحهم، حتى داخل المؤسسات العقابية، هامشا لمواصلة التأثير أو إدارة مصالحهم. لكن اختيار تنزروفت تحديدا هو الذي منح القرار بعدا آخر، وجعل المكان نفسه جزءا أساسيا من القصة، فالمؤسسة السجنية، مهما بلغت درجة تأمينها، تبقى في النهاية منشأة لها جدران وأبواب وحراسة، أما تنزروفت فتقدم حولها الطبيعة الصحراوية سياجا آخر مختلفا تماما: المسافة، الفراغ، ندرة المياه، قسوة المناخ، واتساع المجال الجغرافي. ومن هنا بدأت الأسئلة الطريفة والجادة في الوقت نفسه: لماذا تنزروفت؟ وهل يمكن أن تصبح الجغرافيا نفسها عاملا إضافيا في عزل المحكوم عليهم؟
الجزائريون يكتشفون اسما كان غائبا
لم تكن تنزروفت قبل هذا القرار، من الوجهات التي تستقطب اهتمام الجزائريين على نطاق واسع. فبالنسبة إلى سكان الشمال والمدن الكبرى، ترتبط الصحراء في المخيال العام غالبا بأسماء أكثر حضورا على غرار تمنراست، جانت، ورقلة، أدرار، تيميمون وغيرها من المناطق التي ارتبطت بالسياحة أو الواحات أو الحياة الحضرية في الجنوب. أما تنزروفت، فكانت بالنسبة إلى كثيرين مجرد اسم بعيد لا يكاد يتجاوز حدود الخرائط، غير أن انتشار خبر السجن الجديد قلب المعادلة. صار السؤال عن المؤسسة يقود تلقائيا إلى السؤال عن المنطقة، وأصبحت الخرائط الرقمية مقصد الفضوليين الذين أرادوا رؤية المكان الذي تصدر فجأة حديث الجزائريين، وهنا تحولت الجغرافيا إلى جزء من الخبر. فالمتابع الذي كان يقرأ عن قرار أمني أصبح يبحث عن طبيعة المنطقة، والمسافات، والطرق المؤدية إليها، ثم عن صور الصحراء الممتدة في محيطها، وبذلك لم يعد الخبر متعلقا بالسجن وحده، وإنما أصبح مناسبة لإعادة اكتشاف مساحة واسعة من التراب الجزائري لا تحضر كثيرا في النقاشات اليومية.
"أرض الرعب" صحراء لا تشبه الصورة التقليدية عن الجنوب
تقع تنزروفت في أقصى جنوب الجزائر، وتمتد بين رقان وبرج باجي مختار باتجاه الحدود مع مالي والنيجر، ضمن فضاء صحراوي شاسع يقال إن امتداده يصل إلى نحو 600 كلم من الفراغ، لكن وصف تنزروفت بأنها صحراء لا يعني بالضرورة أنها مجرد بحر متواصل من الرمال والكثبان. فجزء كبير من طبيعتها يتكون من سهول حصوية شاسعة تعرف باسم "الرق"، إلى جانب مناطق رملية وتضاريس قاحلة قليلة المعالم. وفي هذه المساحات المفتوحة، تصبح المسافة مفهوما مختلفا. فالطريق لا تحيط به بالضرورة مظاهر العمران التي اعتاد عليها سكان المدن، ومصادر المياه شحيحة، فيما تفرض الطبيعة الصحراوية حضورها بقوة. ولهذه الأسباب ارتبط اسم تنزروفت تاريخيا بصورة القسوة والجفاف، حتى عرفت في بعض الروايات باسم "أرض الرعب". وحتى اسم المنطقة نفسه يحيل إلى طبيعتها، إذ يرتبط بمعنى الأرض الصحراوية شديدة الجفاف. وتشير الروايات المتداولة حول المنطقة إلى ظروف مناخية بالغة القسوة، مع درجات حرارة قد تتجاوز 60 درجة مئوية في بعض الحالات والظروف، وهو ما يفسر جانبا من الصورة التي تشكلت حولها عبر الزمن. لكن خلف هذه الأرقام والوصف الجغرافي توجد قصص إنسانية جعلت تنزروفت حاضرة في الذاكرة التاريخية، حتى وإن لم تكن حاضرة بقوة في الحياة اليومية.
قصة بيل لانكستر.. ثمانية أيام في مواجهة الصحراء
من أشهر القصص المرتبطة بقسوة تنزروفت قصة الطيار البريطاني بيل لانكستر. في عام 1933، كان لانكستر في رحلة جوية من إنجلترا باتجاه جنوب إفريقيا، قبل أن يضطر إلى الهبوط بطائرته في قلب الصحراء. بدأت عمليات البحث عنه، لكن المنطقة الشاسعة والقاسية جعلت العثور عليه أمرا بالغ الصعوبة. ومرت السنوات دون أن تصل فرق البحث إلى حطام الطائرة. وبعد 29 عاما، عثر على بقايا الطائرة وجثمان الطيار، إلى جانب دفتر يومياته، الذي قدم تفاصيل مؤلمة عن الأيام الأخيرة التي عاشها في قلب الصحراء. وبحسب ما كشفت عنه اليوميات، فقد ظل لانكستر على قيد الحياة لمدة ثمانية أيام تحت جناح طائرته المحطمة، منتظرا وصول النجدة التي لم تصل. القصة التي تحولت إلى واحدة من أشهر الحكايات المرتبطة بتنزروفت، تختصر إلى حد بعيد الصورة التي التصقت بهذه المنطقة: مساحة هائلة، ظروف مناخية قاسية، شح في المياه، وبعد عن التجمعات السكانية. ولذلك لم يكن غريبا أن تستدعي هذه القصة نفسها لدى الجزائريين بعد انتشار خبر السجن الجديد، وأن تتحول طبيعة المكان إلى مادة للتعليقات والمقارنات.
من الردع الأمني إلى "سجن بلا جدران" على مواقع التواصل
لم تحتفظ مواقع التواصل الاجتماعي بالموضوع في إطاره الأمني الجاد طويلا، فما إن بدأ الجزائريون يتعرفون إلى طبيعة تنزروفت حتى انطلقت موجة واسعة من التعليقات الساخرة. المسافات، الحرارة، ندرة المياه، واتساع الفراغ الصحراوي تحولت كلها إلى عناصر جاهزة للنكتة، وتعامل كثير من المستخدمين مع المنطقة باعتبارها "عنوانا مثاليا للعزلة"، فيما بالغ آخرون في تخيل ظروف الحياة في ذلك المكان، وربطوا بين قسوة الصحراء وفكرة السجن عالي التأمين. واللافت أن هذه السخرية لم تكن بالضرورة تعبيرا عن رفض القرار. ففي كثير من الحالات، كانت النكتة نفسها مبنية على تأييد فكرة تشديد العقوبة على بارونات المخدرات، لكنها صيغت بالطريقة الجزائرية المعروفة التي تمزج بين الموقف الجاد وروح الدعابة. وهذه الثنائية تكشف جانبا مهما من طبيعة التفاعل الشعبي مع الأخبار: يمكن للجزائري أن يؤيد قرارا أمنيا بكل جدية، ثم يحوله في الوقت نفسه إلى مادة للتنكيت بسبب عنصر غير مألوف فيه، وفي حالة تنزروفت، كان العنصر غير المألوف هو المكان نفسه.
تنزروفت ..حين تصبح الخريطة جزءا من الخبر
ربما تكون المفارقة الأكبر في قصة تنزروفت أن القرار لم يجعل الناس يهتمون بالسجن فقط، بل جعلهم يهتمون بالخريطة. فالمتابعون بدأوا يبحثون عن المنطقة، وعن موقعها بالنسبة إلى المدن المعروفة، وعن طبيعة الطرق والمسافات. وبذلك أصبحت الخرائط الرقمية جزءا من التفاعل مع الخبر، لا مجرد وسيلة لتحديد موقع جغرافي. هذا الفضول يكشف أيضا اتساع الجزائر جغرافيا، مقابل محدودية المعرفة اليومية التي يحملها كثير من سكان المدن عن بعض المناطق النائية. فالجزائر ليست فقط المدن الكبرى والواحات والمناطق السياحية المعروفة. هناك في العمق الصحراوي فضاءات شاسعة، بعضها قليل السكان وبعيد عن المسارات السياحية والإعلامية، وتختلف طبيعتها بشكل كبير عن الصورة النمطية للصحراء. ومن هذه الزاوية يمكن القول إن قرارا أمنيا، ولو بصورة غير مباشرة، تعريف جزء من الجزائريين بمنطقة لم تكن حاضرة بقوة في وعيهم الجغرافي.
بين الحقيقة والخيال هل تصبح تنزروفت "السجن الأكثر عزلة"؟
من الطبيعي أن يثير اختيار منطقة بهذه الخصائص أسئلة حول طبيعة المؤسسة السجنية المرتقبة، لكن من المهم الفصل بين ما هو معلوم وما أصبح مادة للتخمين على مواقع التواصل الاجتماعي. فالحديث عن تحويل ثكنة عسكرية إلى مؤسسة سجنية عالية التأمين يحمل في حد ذاته دلالة على توجه نحو تشديد الإجراءات المتعلقة بالمحكوم عليهم في قضايا المخدرات. أما التفاصيل المتعلقة بطريقة تسيير المؤسسة، ومستوى تجهيزها، ونظام الحراسة، وظروف الإيواء، فلا ينبغي استنتاجها من طبيعة المنطقة أو من التعليقات المتداولة. ومع ذلك فإن موقع المؤسسة المحتمل منح القرار بعدا رمزيا قويا. فالسجن التقليدي يعتمد على الجدران والأبواب والحراسة. أما السجن في منطقة صحراوية نائية، فتضاف إلى هذه الوسائل طبيعة جغرافية تجعل المحيط الخارجي نفسه شديد القسوة. وهنا تحديدا نشأت فكرة "السجن بلا جدران" التي انتشرت في النقاشات الشعبية، وهي عبارة رمزية أكثر منها وصفا قانونيا أو تقنيا للمؤسسة.
بارونات المخدرات في مواجهة رسالة الردع
وبعيدا عن كل الطرافة التي أحاطت باسم تنزروفت، يبقى جوهر القرار مرتبطا بملف بالغ الحساسية، وهو مكافحة الاتجار بالمخدرات. فالمجتمع لا ينظر إلى المخدرات باعتبارها مجرد مواد ممنوعة، وإنما باعتبارها نشاطا إجراميا يمكن أن يرتبط بشبكات تهريب وتوزيع وتمويل وتحقيق أرباح ضخمة بطرق غير مشروعة. ومن هنا يأتي التركيز على ما يسمى "بارونات المخدرات"، أي المتورطين في مستويات متقدمة من هذا النشاط الإجرامي، باعتبار أن مواجهتهم لا تقتصر على توقيف الأفراد، وإنما تتطلب ضرب الشبكات وتجفيف مصادر التمويل والحد من قدرتها على إعادة تنظيم نفسها. وفي هذا السياق يمكن فهم الجدل الشعبي حول موقع المؤسسة على أنه انعكاس لرغبة أوسع في رؤية إجراءات أكثر صرامة ضد المتورطين في تجارة المخدرات، أما تنزروفت، فقد أصبحت العنوان الجغرافي لهذا التوجه.
صحراء صامتة تتحول إلى حديث وطني
المفارقة في قصة تنزروفت أن المنطقة لم تتغير. الصحراء بقيت في مكانها، والرق بقي رقا، والمسافات بقيت شاسعة، والمناخ لم يتبدل، الذي تغير هو اهتمام الناس بها. ففي غضون فترة قصيرة، انتقلت تنزروفت من منطقة لا يعرفها كثيرون إلا بالاسم إلى موضوع حاضر في الأحاديث والمنشورات والخرائط والتعليقات. لم تشتهر بسبب مشروع سياحي أو حدث ثقافي، وإنما بسبب قرار أمني أعاد وضعها في قلب النقاش الوطني. وبينما يبحث البعض عن موقعها وطبيعتها، يستحضر آخرون قصصها التاريخية، وعلى رأسها قصة بيل لانكستر، فيما يحولها آخرون إلى مادة للسخرية والمبالغة، لتتداخل بذلك ثلاثة عوالم في قصة واحد الأمن والجغرافيا والمخيلة الشعبية. وبين الصورة القديمة للصحراء التي كافح فيها الإنسان من أجل البقاء، والصورة الجديدة التي صنعتها الأخبار ومواقع التواصل، يبدو أن تنزروفت دخلت مرحلة جديدة من الحضور في الوعي الجزائري. فالمكان الذي كان صامتا على هامش الخريطة أصبح فجأة في قلب النقاش، والاسم الذي لم يكن مألوفا لدى كثيرين صار متداولا على نطاق واسع. وتنزروفت التي عرفت يوما بـ "أرض الرعب" عادت اليوم إلى الواجهة من بوابة الأمن ومكافحة المخدرات. وبينما يرى البعض في طبيعتها القاسية امتدادا لفكرة الردع، يكتفي آخرون بالوقوف أمام مفارقة أن صحراء اشتهرت بصعوبة النجاة فيها، قد تصبح عنوانا لمكان يصعب فيه الهروب.
شوشان ح
What's Your Reaction?
Like
0
Dislike
0
Love
0
Funny
0
Angry
0
Sad
0
Wow
0


